في الآونةِ الأخيرةِ، وجدتُ نفسي أتوقَّفُ طويلاً عند اسمِ نانسي عجرم، لا بوصفه اسماً لنجمةٍ شهيرةٍ فقط، بل ولأنها أيضاً حالةً فنيَّةٌ، تستحقُّ التأمُّلَ بعد أكثر من عشرين عاماً من النجاحِ المتواصلِ الذي لم يعرف التراجعَ يوماً، لا فنياً، ولا جماهيرياً، ولا حتى أخلاقياً.
منذ بداياتها، استطاعت نانسي أن تُنافِس نجماتِ الصفِّ الأوَّلِ، وهنَّ فنَّاناتٌ، امتلكن وقتها سنواتٍ طويلةً من الحضورِ والخبرة! وواصلت الصعودَ خطوةً محسوبةً بعد الأخرى، ثم جاء جيلٌ جديدٌ يُنافسها، وتبعه جيلٌ آخرُ، ومع ذلك بقيت نانسي في موقعها المتقدِّمِ دون أن يتفوَّقَ عليها أحدٌ.
وفنياً، من الصعبِ أن نجدَ ألبوماً فاشلاً في مسيرةِ نانسي عجرم، أو حفلةً، لم تكن على مستوى التوقُّعات. هي دائماً جاهزةٌ، دائماً تحترمُ المسرحَ والجمهور، ودائماً تُقدِّم ما يُشبهها: أغنياتٌ قريبةٌ من الناس، صادقةٌ، ذكيَّةٌ في بساطتها. حضورها على المسرحِ مريحٌ، واثقٌ، وبلا استعراضٍ زائدٍ ولا ادِّعاءٍ، وطبعاً لا يمكن إنكارُ دورِ الإدارةِ الذكيَّةِ لأعمالها ممثَّلةً في جيجي لامارا، إذ شكَّلت عاملاً أساسياً في هذا النجاح، لكنْ الأهمُّ، هو ذكاءُ نانسي نفسها، احترامُ فنِّها، التزامُها الدائمُ بتقديمِ الأفضل، وحرصُها على صورةٍ راقيةٍ، لا تحيدُ عنها حتى في أصعبِ الظروف.
جمالُ نانسي جزءٌ من حضورها، نعم، لكنَّها لم تجعله يوماً وسيلتها الأساسيَّة. على الرغمِ من امتلاكها كلَّ مقوِّماتِ الجمال إلا أنها عرفت كيف تُجدِّد، كيف تُنوِّع، وكيف تُحافظ على مستوى يليقُ بمهنةٍ صعبةٍ مملوءةٍ بالتشكيكِ والانتقادات، والأهمُّ أنها لم تستغل حياتها الخاصَّة، "زواجها، أطفالها، وصداقاتها"، لتعزيزِ نجوميَّتها كما فعل الكثيرون. لقد لعبت فقط على فنِّها، اختياراتها، واسمها.
إذا تأمَّلنا مسيرةَ نانسي أكثر، فسنلاحظُ نقطةً شديدةَ الأهميَّة: الاختيارات. نانسي لم تكن يوماً فنَّانةَ "الأغنيةِ الضاربةِ" فقط، بل كانت تختارُ أيضاً ما يُشبهها، وما يمكن أن يعيش. كثيرٌ من أغنياتها تحوَّلت مع الوقتِ إلى ذاكرةٍ جماعيَّةٍ، ومن اللافتِ أيضاً أنه، ووسطَ كلِّ هذا النجاحِ، لم تُعرَف نانسي يوماً بالتصعيدِ، أو ردودِ الأفعالِ الانفعاليَّة. في وسطٍ مليء بالمقارناتِ، والاستفزازاتِ، ومحاولاتِ جرِّ الفنَّانين إلى معاركَ جانبيَّةٍ، كانت دائماً تختارُ الطريقَ الأهدأ. لم تدخل في سجالاتٍ علنيَّةٍ، ولم تبنِ حضورها على نفي الآخرين، أو التقليلِ منهم. هذه القدرةُ على "الانسحابِ الذكي" من الضجيجِ واحدةٌ من أهمِّ أسبابِ احترامِ الجميع لها بمَن فيهم المختلفون معها ذوقياً.
أمَّا إنسانياً، فتُقدِّم نانسي نموذجاً مريحاً للفنَّانةِ التي لا تتصنَّعُ القربَ من الناس، ولا تتعالى عليهم. لقاءاتُها دائماً راقيةٌ، وحديثُها موزونٌ. لا إفراطَ في كشفِ الخصوصيَّةِ، ولا افتعالاً للمثاليَّة. هي ببساطةٍ تعرفُ حدودها. حتى على مستوى الشكلِ والحضور، نانسي لم تقع في فخِّ "الصورةِ الواحدة". تعرفُ كيف تتغيَّرُ دون أن تنقلب، وكيف تُحافظ على أنوثةٍ ناعمةٍ، لا تعتمدُ على المبالغة. جمالها لم يكن يوماً صادماً، أو مستفزاً، بل إنه جمالٌ مريحٌ، ومتوازنٌ، ويُشبه شخصيَّتها العامَّة، ويخدمُ صورتها الفنيَّة.
ولعلَّ أكثر ما يُميِّز نانسي الإحساسُ الدائمُ بأنها فنَّانةٌ مرتاحةٌ مع نفسها. لا تحاولُ إثباتَ شيءٍ، ولا تدخلُ سباقاً مع الزمنِ، ولا تتصرَّفُ وكأنَّها مهدَّدةٌ. هذه الراحةُ، تنعكسُ على كلِّ شيءٍ: على أدائها، على اختياراتها، على حضورها، وحتى على علاقتها بالجمهور، لذا يطولُ عمرها الفنِّي، لأن القلقَ هو أوَّلُ ما يُسقِط الفنَّانين.





