mena-gmtdmp

إلى السعودي الذي لم يولد بعد.. عزّنا بطبعنا

منال الحصيني
منال الحصيني
منال الحصيني

في كلِّ عامٍ، وتحديداً في الـ 23 من سبتمبر، نستعيدُ ذكرى اليومِ الوطني السعودي المجيدِ، ونستعيدُ معه البداياتِ، والرجالَ العظماء، ورايةَ التوحيدِ الخفَّاقة التي بقيت خالدةً حتى اليوم، لكنَّني هذه المرَّة لن أنظرَ إلى الخلفِ على الرغمِ من عظمةِ تاريخٍ، يستحقُّ أن يُروى، بل سأكتبُ عن «السعودي» الذي لم يُولَد بعد. عن طفلٍ، سيأتي بعد سنواتٍ، ويفتحُ عينَيه على وطنٍ مختلفٍ عمَّا رآه آباؤه، كما اختلفَ وطننا اليوم عمَّا عرفه أجدادنا. سيكبرُ ذلك الطفلُ معتقداً أن كثيراً ممَّا حوله كان موجوداً بصورةٍ بديهيَّةٍ، ولن يُدرك بسهولةٍ، أن تفاصيلَ يومه العاديَّة، كانت ذات يومٍ أحلامَ جيلٍ سبقه، وأفكاراً بدت بعيدةَ المدى. سيعبرُ مدناً أُعيد تشكيلها، وسيعملُ في مهنٍ ربما لا نعرفُ أسماءَها اليوم، وسيدخلُ اقتصاداً متنوِّعَ الموارد، وسيرى التقنيَّةَ والذكاءَ الاصطناعي جزءاً طبيعياً من حياته، وليس حدثاً استثنائياً، وربما سيسمعُ عن «رؤيةِ السعوديَّة 2030» كما نسمعُ نحن اليوم عن محطَّاتِ التحوُّلِ الكبرى في تاريخِ المملكةِ، وسيسألُ متعجِّباً كيف كانت السعوديَّةُ قبل الرؤية؟

هنا تبدأ القِصَّة، فالأوطان العظيمةُ لا تبني حاضرها لأبنائها فقط، بل وتُمهِّد الطريقَ أيضاً لأجيالٍ لم تُولَد بعد، لتجد أن مستقبلها بدأ قبل مجيئها.

والرؤيةُ في معناها الأعمق، ليست مشروعاتٍ، ومنجزاتٍ فحسب، بل هي أيضاً مجتمعٌ حيوي، واقتصادٌ مزدهرٌ، ووطنٌ طموحٌ، جمعَ بين الاعتزازِ بالهويَّة، وفتحِ أبوابِ المستقبل، لكنْ أي إنسانٍ يُريد هذا الوطنُ أن يصنعه؟

إن المشروعَ الأصعبَ لأي نهضةٍ، ليس المدن، ولا التقنيَّة على أهميَّتهما، وإنما الإنسانُ الذي سيعيشُ وسطَ هذا التقدُّمِ دون أن يفقدَ نفسه. أن يكون سعودي المستقبل بهويَّته، وعالمي المعرفةِ بمنجزاته. يحملُ خيوطَ الأصالةِ الممتدَّةِ من بيوتِ الطين إلى المدنِ الذكيَّة، وإيماناً عميقاً بأن لهذه الأرضِ معنى يسكننا، والدرعيَّةُ خيرُ شاهدٍ، إذ تحتفظُ بذاكرةِ البدايات، وفي الوقتِ نفسه، ترسمُ ملامحَ الغد، وبين تاريخها وإرادةِ حاضرها تتجلَّى صورةُ وطنٍ لا يرى الأصالةَ والمستقبلَ طريقَين متعاكسين، فكلُّ جيلٍ يقفُ بين زمنَين من عمرِ هذا الوطن، زمنٌ تسلَّمه، وزمنٌ سيُسلِّمه لمَن يأتي بعده، ليُضيف إليه ما يستحقُّ أن يرثه القادمون.

سيأتي ذلك الطفلُ، وربما لن يعرفَ أسماءَنا، ولن يعرفَ كيف عشنا زمنَ التحوُّلِ، وشهدنا البداياتِ، لكنَّه سيعيشُ نتائجَ ما نُصفِّق له اليوم، وسيجدُ طريقاً أمامه أكثر اتِّساعاً، لأن جيلاً سبقه قرَّر ألَّا يكتفي بما وصلَ إليه. وحين يقفُ في يومٍ وطني سعودي بعيدٍ، ربما في منتصفِ هذا القرن، حاملاً الرايةَ الخضراءَ، قد يسألُ: هل بقي وطني وسطَ كلِّ هذا التغييرِ يُشبه نفسه؟ وأظنُّ أن الإنجازَ الأكبر أن تكون الإجابةُ: نعم. لأن السعوديَّة لم تختر الوصولَ إلى المستقبلِ فحسب، بل واختارت أيضاً، وهي تمضي إليه، ألَّا تترك نفسها خلفه.