في الحجِّ لا يلفتني مشهدُ الزحامِ المكتسي بالبياضِ بقدرِ ما يلفتني شيءٌ آخرُ أكثر عمقاً ألا وهو أن الإنسانَ هنا يفقدُ كلَّ التصنيفاتِ التي أحاط بها نفسه جملةً واحدةً: اسمه، ومكانته، وصورته الاجتماعيَّة، والأهمُّ هو ذلك "الأنا" الذي لطالما رافقه في رحلةِ حياته.
الحجُّ اليوم يبدو أكثر أهميَّةً من أي وقتٍ مضى، فهذا العصرُ الذي نعيش فيه بالذات دفعَ الإنسانَ إلى التمحورِ حول ذاته، والغوصِ كثيراً في عالمه الخاص، وهنا يأتي الحجُّ بوصفه فكرةً مناقضةً لذلك، وتُخالف تماماً هذا الزمن، وتكسرُ قوانينه بمعنى أنك لا تذهبُ في رحلتك الإيمانيَّةِ لتُبرِّر اختلافك بقدر ما تذوبُ وسطَ معنى أكبر منك.
هناك في الحجِّ يقفُ الملايين من أعراقٍ، ولغاتٍ، وثقافاتٍ مختلفةٍ، فتتلاشى المسافاتُ النفسيَّةُ بين الجميع بشكلٍ مذهلٍ ومثيرٍ للغرابة، إذ كيف للحجِّ أن يفعلَ ما تعجزُ عنه المنظَّماتُ وكثيرٌ من المؤتمرات، وهتافات الشعاراتِ الإنسانيَّة! ببساطةٍ شديدةٍ، ذلك لأن الحجَّ لا يُذكِّرُ الإنسانَ بخالقه فقط، بل وأيضاً يُعيد تذكيره بنفسه بوصفه بشراً، ففي زمنٍ تتَّسعُ فيه وسائلُ التواصل، وتتراجعُ قدرةُ البشرِ على التفاهمِ الحقيقي، تبدو مشاهِدُ الحجِّ وكأنَّها تذكيرٌ سنوي بأن الإنسانَ ما زال قادراً على الالتقاءِ على الرغمِ من كلِّ اختلافاته.
عليه، الحجُّ ليس مجرَّد رحلةٍ إيمانيَّةٍ فحسب، بل هو في المقامِ الرئيس تدريبٌ روحي عميقٌ للانتقالِ من «الأنا» إلى «نحن».
