mena-gmtdmp

الأم.. الجذر الإنساني الذي تتفرّع منه الحياة

منال الحصيني
منال الحصيني
منال الحصيني

الأمومةُ ليست مجرَّد علاقةٍ بيولوجيَّةٍ، تبدأ بالولادةِ، وتنتهي بإنقضاءِ سنواتِ التربية. إنها بالتأكيدِ أعمقُ من ذلك بكثيرٍ، فالأمُّ تُشكِّل الوعي بمقتضاه الأوَّل، فاللغةُ ومفرداتُها، يسبقها جذرٌ متأصِّلٌ أعمقُ منها: شعورٌ بشري اسمه الأمانُ، نستمدُّه من الأمِّ، لنكتشفَ حينها أن هذا الوجودَ يمكن أن يكون مكاناً رحيماً، تتفرَّعُ منه الحياة.

والأمُّ في بُعدها الفلسفي ليست مجرَّد شخصٍ عادي في حياتنا، أدَّى دوره. إنها الذاكرةُ الأولى للطمأنينةِ، فمعها نشعرُ بحنينٍ خفي لذلك الإحساسِ القديم.

ونحن عندما نكبرُ قد نتغرَّبُ، ونُسافرُ إلى مدنٍ بعيدةٍ، ونخوضُ تجاربَ الحياة، فنظنُّ وقتها أننا أكثر استقلالاً وصلابةً، لكنْ، وما إن نمرَّ بلحظاتِ ضعفٍ وتعبٍ حتى يعود إلينا ذلك الشعورُ، فتتوارى خلفه تلك الصورةُ الأولى: حضنُ الأمِّ الذي كان يختصرُ العالمَ بأسره في مساحةٍ من الدفء.

عليه، يومُ الأمِّ في جوهره أبعدُ من كونه مناسبةً عالميَّةً لشراءِ الهدايا، وتبادلِ عباراتِ الامتنان. هو لحظةُ تأمُّلِ حقيقةٍ إنسانيَّةٍ بسيطةٍ: مهما كبرنا، يبقى داخلنا ذلك الطفلُ الذي تشكَّلت إنسانيَّته في حضنِ امرأةٍ اسمها "الأمُّ".

والمجتمعاتُ بأسرها صنعتها الأمُّ قبل أن تصنعَ أبناءَها، فكلُّ مَن لديه رحمةٌ، وصبرٌ، وعطاءٌ، وشيءٌ من الحكمةِ، ليس إلا نتاجَ تربيةِ امرأةٍ، زرعت في نفسه تلك القيمَ النبيلة، ليحملها بوصفها أثراً ممتداً. والأمُّ لم تكن يوماً مرحلةً في حياتنا، بل هي الأصلُ الذي تتفرَّعُ منه إنسانيَّتنا. إنها البدايةُ التي علَّمتنا أن الحياةَ يمكنها أن تكون أكثر دفئاً ورحمةً.

ولكوني أماً، أعي جيداً معنى ذلك، وأفهم كيف للقلبِ أن يُصبح أكثر اتِّساعاً، وكيف للتفاصيلِ الصغيرةِ أن تكون مسؤوليَّةَ حبٍّ يوميَّةً، وكيف للإنسانِ أن يكبر وهو يصنعُ قطعةً من روحه في قلبِ طفله، فالأمومةُ ليست دوراً عابراً، بل هي تجربةٌ، تُعلِّم المرأةَ أن العطاءَ غريزةٌ، وأن الرحمةَ يمكنها أن تكون أسلوبَ حياةٍ.

فإلى كلِّ أمَّهاتِ الوطنِ العربي اللاتي أعطين بحبٍّ، وربَّين أجيالاً كاملةً: كلّ عامٍ وأنتن الحياةُ حينما تضيقُ، والدفءُ حينما يبردُ العالم.