mena-gmtdmp

أول فريق كرة قدم في السعودية.. حكاية بدأت قبل تأسيس نادي الاتحاد

كرة القدم - مصدر الصورة: موقع unsplash
كرة القدم - مصدر الصورة: موقع unsplash

قبل أن تمتلئ الملاعب السعودية بمئات الآلاف من المشجعين، وقبل ظهور المسابقات الرسمية والمنتخبات والأندية بصورتها المعروفة، كانت كرة القدم لعبة جديدة تُمارس في ساحات ترابية وبين أحياء مكة المكرمة وجدة، من دون مدرجات أو اتحادات أو سجلات تحفظ أسماء المشاركين.

لكن منْ أول فريق كرة قدم سعودي؟ قد يبدو السؤال بسيطاً، غير أن البحث في البدايات يكشف أكثر من إجابة؛ فهناك فرق بين أول منْ مارس اللعبة داخل أراضي المملكة، وأول مواطن سعودي تذكره الروايات لاعباً لكرة القدم، وأول فريق وطني، ثم أقدم نادٍ سعودي استمر حتى اليوم.

وتزامناً مع اليوم الوطني السعودي الـ96، نعود إلى البدايات الأولى لكرة القدم في المملكة، مستندين إلى التقرير النهائي الرسمي لمشروع توثيق تاريخ كرة القدم السعودية؛ لنتتبع رحلة بدأت قبل تأسيس نادي الاتحاد، وانطلقت فصولها الأولى من أحياء مكة المكرمة.

إشارات مبكرة لا تثبت مشاركة السعوديين

بحث مشروع توثيق تاريخ كرة القدم السعودية في مصادر تعود إلى بدايات القرن العشرين، وعثر على سجلات بحرية بريطانية تشير إلى نزول مجموعات مرتبطة بكرة القدم والترفيه من سفن رست في ينبع عام 1916، وتكشف هذه الوثائق وجود اللعبة داخل النطاق الجغرافي للبلاد في تلك الفترة، لكنها لا تثبت أن المواطنين شاركوا في ممارستها.

وفي عام 1918، ورد ذكر «كرة الرجل المسماة فاتبول» في خطبة نشرتها جريدة «القبلة»، ضمن حديث عن فوائد الرياضة وانتشار كرة القدم في بريطانيا. لكن التقرير الرسمي أوضح أن مجرد معرفة اسم اللعبة لا يُعد دليلاً على ممارستها محلياً، خصوصاً أن كرة القدم لم تكن ضمن الأنشطة الرياضية التي تناولها الخبر؛ ولهذا يفرق المؤرخون بين معرفة السكان باللعبة وبين ظهور ممارسة فعلية ومنتظمة لها.

الجاويون يحملون الكرة إلى مكة

تشير أغلب الشهادات والمقالات التاريخية التي جمعها التقرير الرسمي إلى أن انتشار كرة القدم بصورتها الحديثة بدأ في مكة على أيدي أفراد من الجاليات الإندونيسية والماليوية، الذين عُرفوا محلياً باسم «الجاويين»؛ حيث كان بعضهم يفد إلى مكة لأداء الحج، ثم يقيم بالقرب من المسجد الحرام لطلب العلم أو العمل، حاملاً معه عادات وثقافات مختلفة، ومن بينها لعبة كرة القدم التي كانت قد انتشرت في بلدان جنوب شرقي آسيا.

وتذكر شهادة تاريخية نشرها الشريف محمد بن شاهين عام 1960 أن ممارسة اللعبة بدأت بين تلك الجماعات خلال أربعينيات القرن الهجري الماضي، وأن مجموعتين عُرفتا باسمَي «البوقس» و«الفادان» كانتا من أوائل من زاول كرة القدم في حي المسفلة بمكة، لم يكن «البوقس» و«الفادان» ناديين سعوديين بالمعنى المؤسسي المعروف اليوم، بل مجموعتان من اللاعبين المقيمين تمارسان اللعبة في مرحلة سبقت ظهور الأندية المنظمة. لكن وجودهما كان خطوة أساسية في انتقال كرة القدم إلى أبناء المكان.

صفحة من مجلة «المنهل» تضمنت شهادة الشريف محمد بن شاهين عن بدايات كرة القدم في مكة - مصدر الصورة: مشروع توثيق تاريخ كرة القدم السعودية – الاتحاد السعودي لكرة القدم

حسين داغستاني.. اسم سعودي في البدايات

بحسب الشهادة نفسها، كان حسين داغستاني المواطن الوحيد الذي انضم إلى تلك المجموعات في ذلك الوقت؛ ليصبح أقدم اسم سعودي تذكره هذه الرواية ضمن المشاركين في ممارسة كرة القدم الحديثة، وبمرور الوقت، بدأ عدد آخر من أبناء مكة في الانضمام إلى الفرق الصغيرة التي شكلها الطلاب الإندونيسيون والماليويون، واتسعت ممارسة اللعبة تدريجياً من دائرة محدودة من المقيمين إلى المجتمع المحلي.

كما تذكر شهادات لاحقة أن المواطنين بدأوا تنظيم تدريباتهم باستخدام كرة أحضرها محمد حلمي، خطاط وزارة المعارف، وأن بعض هذه التدريبات أقيم بالقرب من مقهى كان يُعرف باسم «كنطار» في مكة؛ حيث كانت المباريات تقام بصورة عفوية، من دون مسابقات ثابتة أو لوائح رسمية، وأحياناً بين فرق الأحياء، وهو ما وصفه الأمير عبدالله الفيصل في شهادة تاريخية بأنها مرحلة شهدت مباريات بين «الحواري» من دون تنظيم مؤسسي.

مقتطف من صحيفة «صوت الحجاز» عام 1932 يتناول انتشار كرة القدم وتعدد ملاعبها في جدة - مصدر الصورة: مشروع توثيق تاريخ كرة القدم السعودية – الاتحاد السعودي لكرة القدم

هل كان "فريق الوطن" أول فريق سعودي؟

تذكر إحدى الشهادات التي استند إليها المشروع الرسمي اسم «فريق الوطن» في مكة بوصفه فريقاً ضم لاعبين سعوديين، بينما كانت فرق أخرى تتكون أساساً من الإندونيسيين والماليويين، كما يشير مقال نشرته صحيفة «البلاد» عام 1952 إلى انتقال اللعبة من الجاويين إلى السكان المحليين، ثم تأسيس «أول فرقة وطنية».

لكن المقال لم يذكر اسم تلك الفرقة صراحة، ولم يحسم التقرير الرسمي أن «فريق الوطن» كان أول فريق سعودي على الإطلاق. ولذلك لا يمكن منح اللقب تاريخياً لفريق محدد من دون تحفظ، لكن ما يمكن تأكيده أن الفرق الوطنية بدأت في الظهور خلال النصف الثاني من عشرينيات القرن الماضي، بعد سنوات من الاختلاط الكروي بين أبناء مكة والجاليات المقيمة فيها.

مصدر الصورة: مشروع توثيق تاريخ كرة القدم السعودية – الاتحاد السعودي لكرة القدم.

عام 1926.. أقدم رصد لتأسيس الأندية

بعد مراجعة آلاف الأعداد الصحفية ومئات السجلات والشهادات، خلص مشروع توثيق تاريخ كرة القدم السعودية إلى أن أقدم رصد معتبر لنشأة أندية كرة قدم أسسها مواطنون يعود إلى عام 1926، لكن المشروع لم يربط هذا التاريخ باسم نادٍ واحد، يمكن اعتباره بصورة قاطعة أول نادٍ سعودي، كما أكد أن بدايات كرة القدم في معظم دول العالم تفتقر إلى الوثائق التي تسمح بتحديد لحظة تأسيس دقيقة.

وبذلك نستطيع القول إن فرقاً وأندية محلية ظهرت قبل تأسيس نادي الاتحاد؛ إلا أن كثيراً منها لم يستمر، أو لم يترك سجلات كافية تسمح بتوثيق تاريخه بصورة حاسمة.

ننصحك بقراءة التاريخ الكامل لمشاركات السعودية في المونديال

من الفريق الرياضي الحجازي إلى نادي الاتحاد

في جدة، ارتبطت بداية نادي الاتحاد بفريق سابق عُرف باسم «الفريق الرياضي الحجازي»، ووفقاً للتاريخ الرسمي لنادي الاتحاد، نشب خلاف بين أعضاء الفريق بعدما طالب بعضهم بقصر المشاركة على أبناء العائلات الميسورة واستبعاد غيرهم. ورفض فريق آخر هذا التوجه، مؤكداً أن الرياضة ينبغي أن تكون متاحة للجميع من دون تفرقة اجتماعية.

قرر المعترضون، ومن بينهم حمزة فتيحي وعبدالصمد نجيب وعبدالعزيز جميل وعبداللطيف جميل ومحمد صالح سلامة، تأسيس كيان جديد. واجتمع المؤسسون في غرفة تابعة لمبنى التلغراف في جدة، وفي 26 ديسمبر 1927 وُلد نادي الاتحاد، لم يكن اختيار اسم «الاتحاد» منفصلاً عن الحكاية؛ إذ قام النادي على فكرة جمع أبناء المجتمع داخل فريق واحد؛ ليصبح تأسيسه حدثاً رياضياً يحمل في الوقت نفسه معنى اجتماعياً.

صورة أرشيفية لنادي الاتحاد ضمن محطة تأسيس النادي عام 1927- مصدر الصورة: الموقع الرسمي لنادي الاتحاد

مباراة أنهت الفريق القديم

استمر الفريق الرياضي الحجازي بعد تأسيس الاتحاد، حتى التقى الفريقان في مايو 1932، وبحسب رواية نادي الاتحاد الرسمية، انتهت المباراة بفوز الاتحاد بثلاثة أهداف من دون مقابل، قبل أن يندثر الفريق الرياضي الحجازي لاحقاً، وينضم عدد من لاعبيه إلى الاتحاد.

ومع اختفاء الفرق التي سبقته أو عاصرته، حافظ الاتحاد على استمراره منذ عام 1927، ولذلك تصفه سعوديبيديا بأنه أقدم نادٍ سعودي، بينما توضح الرواية التاريخية أن الأدق وصفه بأنه أقدم نادٍ سعودي مستمر حتى اليوم، وليس أول مجموعة مارست كرة القدم داخل المملكة.

إذاً.. منْ كان الأول؟

لا تقدم الوثائق اسماً واحداً يمكن ذكره بلا تحفظ بأنه "أول فريق كرة قدم سعودي"، لكن الصورة التاريخية الأقرب إلى الدقة يمكن تلخيصها في الآتي:

كان "البوقس" و"الفادان" من أوائل المجموعات التي تذكرها الشهادات، وهي تمارس كرة القدم الحديثة في مكة، لكنهما كانا يتكونان أساساً من المقيمين الإندونيسيين والماليويين، ويعد حسين داغستاني أقدم مواطن سعودي تذكره إحدى الروايات لاعباً ضمن تلك المجموعات، ثم ظهرت فرق صغيرة ضمت مواطنين، من بينها فريق حمل اسم "الوطن"، من دون توافر دليل حاسم يجعله أول فريق سعودي.

أما أقدم رصد رسمي لنشأة أندية أسسها مواطنون فيعود إلى عام 1926، بينما تأسس نادي الاتحاد في العام التالي؛ ليصبح أقدم نادٍ سعودي استطاع الاستمرار حتى اليوم.

كرة حملتها الرحلات واحتضنتها الأحياء

تكشف بدايات كرة القدم السعودية عن جانب من التنوع الاجتماعي والثقافي الذي عرفته مدن الحجاز؛ فقد وصلت اللعبة مع مقيمين وحجاج وطلاب من جنوب شرقي آسيا، ثم تعلمها أبناء مكة، وانتقلت إلى فرق الأحياء، قبل أن تظهر الأندية وتبدأ مرحلة التنظيم، ومن غرفة صغيرة في مبنى التلغراف، امتدت الرحلة إلى ملاعب حديثة ومنتخب شارك في أكبر البطولات العالمية، ودوري أصبح محط أنظار نجوم كرة القدم حول العالم.

وفي اليوم الوطني السعودي الـ96، لا تبدو حكاية أول فريق مجرد بحث عن اسم أو تاريخ، بل فصل من قصة مجتمع استقبل لعبة جديدة، ثم أعاد تشكيلها حتى أصبحت جزءاً أصيلاً من ذاكرته وهويته الرياضية.

تابعوا المزيد: لمناسبة اليوم الوطني السعودي الـ96.. حكايات وراء أسماء 5 مدن ومناطق سعودية

عمرو جمال

محرر أول

صحفي ومحرر فيديو في سيدتي، يعمل على إعداد التقارير المصوّرة وصناعة المحتوى المرئي. يتمتع بخبرة واسعة في كتابة وتحرير المواد الصحفية المدعومة بالفيديوهات، وإنتاج المحتوى الإخباري والاجتماعي والترفيهي بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والرؤية الإبداعية في السرد البصري. يهتم بمتابعة كرة القدم، والتمثيل المسرحي، ومشاهدة المسلسلات والأفلام.

صحفي ومحرر فيديو في سيدتي، يعمل على إعداد التقارير المصوّرة وصناعة المحتوى المرئي. يتمتع بخبرة واسعة في كتابة وتحرير المواد الصحفية المدعومة بالفيديوهات، وإنتاج المحتوى الإخباري والاجتماعي والترفيهي بأسلوب يجمع بين الدقة الصحفية والرؤية الإبداعية في السرد البصري. يهتم بمتابعة كرة القدم، والتمثيل المسرحي، ومشاهدة المسلسلات والأفلام.