mena-gmtdmp

حي سمحان حين تعود البيوت النجدية إلى الحياة

جانب من البيوت التراثية التي أُعيد تأهيلها وتوظيفها مطاعمَ شعبية ضمن مشروع حي السمحانية في الرياض
جانب من البيوت التراثية التي أُعيد تأهيلها وتوظيفها مطاعمَ شعبية ضمن مشروع حي السمحانية في الرياض

في اليومِ الوطني السعودي، تعودُ الذاكرةُ إلى أماكنَ تحفظُ بين جدرانها ملامحَ المجتمع، وحكاياتِ أجياله. وفي الدرعيَّة، مهدِ الدولةِ السعوديَّة الأولى، يروي حي سمحان جانباً من هذه الذاكرة عبر بيوته النجديَّة، وأزقَّته القديمة، وقصصِ أهله، فيما أعادَ مشروعُ السمحانيَّة الحياةَ إلى المكان، ليواصلَ حضورَه اليوم بوصفه وجهةً، تجمعُ بين أصالةِ التراث، وحيويَّةِ الحاضر. وفي هذه المناسبةِ، لا تُروى حكايةُ الوطنِ من خلال الأحداثِ الكبرى وحدها، فهناك أيضاً تفاصيلُ صغيرةٌ، حفظتها البيوتُ والأحياء، وعاداتٌ تناقلتها الأجيال، وذكرياتٌ بقيت عالقةً في الأماكن حتى بعد أن غادرها أصحابها. ومن مجموعِ هذه التفاصيل تتشكَّلُ صورةٌ أوسعُ لذاكرةِ المجتمع وهويَّته.

أعداد وتصوير: منال الغلث
جانب من المطاعم والمقاهي المقامة داخل البيوت القديمة في حي السمحانية

 


في حي سمحان بالدرعيَّة، تبدو العلاقةُ بين الإنسانِ والمكانِ حاضرةً في البيوتِ النجديَّة التي ما زالت تحتفظُ بملامحها، وفي الأزقَّةِ التي شهدت يوماً تفاصيلَ الحياةِ العاديَّةِ لأهالي الحي: من ألعابِ الأطفالِ في الأحواش إلى مجالسِ الجيران، والأعراسِ التي كانت تجمعُ البيوت، والليالي الصيفيَّة فوقَ الأسطح. ويُعدُّ حي سمحان أحدَ الأحياءِ التاريخيَّةِ في الدرعيَّة، ويتميَّزُ بنسيجه العمراني النجدي التقليدي حيث تضمُّ مبانيه التراثيَّة نماذجَ من العمارةِ المحليَّة التي ارتبطت ببيئةِ نجد، وأساليبِ الحياةِ فيها. ومع أعمالِ الترميمِ والتأهيل، عادت هذه المباني إلى الحضورِ من جديدٍ، محافظةً في الوقتِ نفسه على هويَّتها المعمارية، ومستوعبةً أيضاً استخداماتٍ معاصرةً، أعادت الحركةَ إلى المكان. ومن هنا تأتي قِصَّةُ مشروعِ السمحانيَّة، ليس بوصفه مشروعاً يُعيد بناءَ الماضي بصورةٍ حديثةٍ، بل بوصفه تجربةً، تسعى إلى إعادةِ الحياةِ لمكانٍ قائمٍ بالفعل، والحفاظِ على علاقته بتاريخه وأهله. هذه الفكرةُ، هي التي تجعلُ من حي سمحان، في مناسبةِ اليومِ الوطني، نافذةً يمكن من خلالها قراءةُ جانبٍ من الذاكرةِ الاجتماعيَّةِ والعمرانيَّةِ السعودية، هذه الذاكرةُ التي لا تزالُ حاضرةً في الجدران، وفي حكاياتِ مَن عاشوا بينها.

 

ممر في أحد البيوت القديمة التي تحتضن ورشاً فنية وحِرفية، زُيّن بمشغولات السدو والفخار والزخارف الشعبية المستوحاة من التراث النجدي

 

«نتمنى أن يغادر الزائر وهو يشعر بأن التراث ليس شيئاً انتهى وإنما أساس يمكن أن نبني عليه»
منصور الصعنوني
مؤسّس شركة السمحانية للتطوير الحضري

 


حين كانت البيوت تعرف أصحابها

تفاصيل معمارية من البيوت التراثية في حي السمحانية

 


قبل أن يُصبح حي سمحان وجهةً، يقصدها الزوَّار، كانت أزقَّته تعرفُ أسماءَ سكانها، وكانت البيوتُ المتجاورة تحتضنُ تفاصيلَ حياةٍ يوميَّةٍ بسيطةٍ، صنعت ذاكرةً، بقيت حاضرةً حتى بعد انتقالِ كثيرٍ من العائلاتِ إلى العاصمةِ الرياض. تستعيدُ حفيدة محمد بن عيد المحبوب طفولتَها في الحي حين عاشت فترةً من حياتها مع جدها وجدتها في المنزل قبل أن تنتقلَ مع والدها إلى الرياض. هي ما زالت تتذكَّرُ ساعاتِ العصر عندما كان الأطفالُ يجتمعون في حوشِ البيتِ لممارسة ألعابهم الشعبيَّة مثل الخطَّة، والطمرة، والديندينة، والكيرم، في وقتٍ كانت فيه ساحاتُ المنازلِ والأزقَّةِ فضاءً طبيعياً للعبِ والتجمُّع. وكان لنهايةِ الأسبوعِ طقسٌ خاصٌّ، إذ اعتادَ الجدُّ على اصطحابِ الأسرةِ إلى مزارعِ النخيل القريبةِ من الدرعيَّة، لتكون تلك الرحلاتُ متنفَّسهم الأسبوعي، وواحدةً من الذكرياتِ التي بقيت عالقةً في وجدانِ حفيدته. وتستعيدُ كذلك أعوامَ الدراسةِ الأولى، إذ درست في الدرعيَّة حتى الصفِّ الرابعِ الابتدائي قبل انتقالها مع والدها إلى العاصمة. وتتذكَّرُ من تلك الفترة، أن سيارةَ الأجرةِ كانت تُعرَف باسم «الإستيشن»، وأن أجرةَ الرحلةِ من الدرعيَّة إلى الرياض كانت نصفَ ريالٍ، وفق ما تحتفظُ به ذاكرتها. وبين كلِّ تلك التفاصيل، تبقى صورةُ الجدِّ الأكثر حضوراً، فهي عندما تتحدَّثُ عن المكانِ اليوم، يعودُ بها الحنينُ إليه، وهو يعتني بالأغنامِ التي كانت الأسرةُ تُربيها في مساحةٍ صغيرةٍ داخل المنزل، عُرِفَت بينهم باسمِ «حوش الغنم»، فالبيتُ بالنسبةِ إليها لم يكن جدراناً وأبواباً بقدرِ ما كان أشخاصاً، عاشوا فيه، وصنعوا ذكرياته. وتروي، أن الخدماتِ التجاريَّةَ في الحي آنذاك كانت محدودةً للغاية، وتتذكَّرُ وجودَ دكَّانٍ واحدٍ، يُوفِّر بعض الاحتياجاتِ البسيطة مثل الأواني المنزليَّة، والملابس، فيما كانت الأسرةُ تتوجَّه إلى الرياض لشراءِ الموادِّ الغذائيَّة، والخضروات، وغيرها من الاحتياجات.

هذه التفاصيلُ، التي تبدو صغيرةً عند سردها اليوم، تحملُ جانباً آخرَ من قيمةِ المكان، فهي تُسجِّل، من خلال الذاكرةِ الشخصيَّة، شكلَ الحياةِ الاجتماعيَّة في حي نجدي قديمٍ. وفي مناسبةِ اليومِ الوطني، تُصبح مثل هذه الشهاداتِ جزءاً من استعادةِ ذاكرةِ المجتمع نفسه، بما تحمله من تفاصيلَ عن البيتِ، والأسرةِ، والجيرةِ، وأنماطِ الحياة التي عاشتها أجيالٌ سابقةٌ.

يمكنك الاطلاع على مسارات الطائف الجبلية تكشف جمالها عبر رحلات الهايكنج السياحية

جلسات شعبية تحتفظ بروح البيت النجدي داخل حي السمحانية

 

 

«كانت الفرحة في بيت واحد لكن أهل الحي جميعاً يعيشونها وكأنها فرحتهم»
حفيدة محمد بن عيد المحبوب

 


الجيرة كانت تتجاوز حدود البيوت

الساحة الداخلية لبيت محمد بن عيد المحبوب، الذي يُعد أكبر بيوت حي السمحانية من حيث المساحة

 


لم تكن الحياةُ في حي سمحان تُختَصرُ في شكلِ البيوتِ النجديَّة، أو أزقَّتها، بل كانت تشملُ العلاقاتِ التي نشأت بين أهلها، فالجيرةُ آنذاك، كما تستعيدها إحدى حفيداتِ منزل محمد المحبوب، كانت تتجاوزُ حدودَ البيوت، لتصنعَ مجتمعاً، يتشاركُ تفاصيلَ الحياةِ في الأفراحِ كما في الأيَّامِ العاديَّة.

كانت الأعراسُ، والمناسباتُ تُقام داخلَ المنازل، وحين يستعدُّ أحدُ البيوتِ للزواج، تبدأ معه استعداداتُ الجيران أيضاً. يتعاونُ الجميع في إعدادِ الموائدِ والضيافة، واستقبالِ المدعوين، وتقديمِ الطعام، ويتقاسمون مسؤوليَّاتِ المناسبةِ حتى تبدو الفرحةُ وكأنَّها تخصُّ الحي بأكمله، وليس أسرةً واحدةً فقط. وتصفُ الحفيدةُ تلك العلاقة بعبارةٍ، تختصرُ كثيراً من تفاصيلِ الحياةِ آنذاك: «كنا بيوتاً متعدِّدةً، لكنَّنا كنا عائلةً واحدةً». ففرحُ الجار كان فرحاً للجميع، والمناسبةُ التي تبدأ خلفَ بابِ منزلٍ واحدٍ سرعان ما تمتدُّ إلى البيوتِ المحيطةِ به. ولم تكن هذه الألفةُ مرتبطةً بالمناسباتِ وحدها، ففي ليالي الصيف، كان الأهالي يفرشون أسطحَ المنازلِ قبل موعدِ النوم حتى تبرد المفارش، ثم يصعدون إليها ليلاً، فيما تتبادلُ الفتياتُ الأحاديثَ مع جاراتهن عبر الأسطحِ المتجاورة في مشهدٍ بقي حاضراً في ذاكرتها بوصفه جزءاً من تفاصيلِ الحياةِ اليوميَّةِ في الحي. وفي ساعاتِ الصيفِ الحارة، كانت الأسرةُ تلجأ إلى وسائلَ بسيطةٍ للتخفيفِ من حرارةِ الجو داخلَ المنزل، فتُبلِّل الشراشفَ بالماء، وتستخدمها للتغطيةِ والتبريد، مستفيدةً من طبيعةِ البيتِ المفتوح من الداخل، في تفاصيلَ تكشفُ كيف كان السكَّانُ يتكيَّفون مع بيئتهم، وإمكاناتِ زمنهم. هذه الذاكرةُ الاجتماعيَّة تمنحُ البيوتَ النجديَّة قيمةً تتجاوزُ عناصرها المعماريَّة، فالجدرانُ، التي يراها الزائرُ حالياً، احتضنت يوماً أفراحاً، وأحاديثَ، وعلاقاتِ جيرةٍ، وحياةً أسريَّةً كاملةً، ومن هنا يكتسبُ الحفاظُ عليها معنى أوسعَ في سياقِ اليومِ الوطني السعودي، إذ لا يتعلَّقُ الأمرُ بصونِ المبنى وحده، بل وبالحفاظِ على جانبٍ من الذاكرةِ الاجتماعيَّة للمجتمعِ السعودي، ونقلِ قصصه إلى الأجيالِ التي لم تعش تلك المرحلة.

خريطة المملكة بتفاصيل تراثية تزيّن أحد جدران بيت محمد بن عيد المحبوب

 

«لم ننظر إلى سمحان بوصفه مجموعة مبانٍ قديمة قابلة للاستثمار بل بوصفه جزءاً من تاريخ الدرعية الذي يستحق أن يقرأ ويعاش من جديد»
منصور الصعنوني
مؤسّس شركة السمحانية للتطوير الحضري

 


حين استعاد المكان نبضه

البيوت القديمة بعد تحويلها إلى وجهة سياحية وثقافية تستحضر ذاكرة المكان

 

مع انتقالِ كثيرٍ من العائلاتِ إلى الرياض ومناطقَ أخرى، خفتت الحياةُ تدريجياً في أجزاءٍ من حي سمحان، وبقيت البيوتُ التي احتضنت يوماً تفاصيلَ الأهالي أمامَ تحدٍّ مختلفٍ: كيف يمكن الحفاظُ عليها دون أن تتحوَّلَ إلى مبانٍ معزولةٍ عن الحياة؟ من هنا، جاءت فكرةُ مشروعِ السمحانيَّة. وفي هذا الجانب، يُوضح منصور الصعنوني، مؤسِّس شركة السمحانيَّة للتطوير الحضري، أن الدافعَ بدأ من ملاحظةِ أن المكانَ غير المستغل لا يبقى على حاله، فمع مرورِ الوقت تتدهورُ مبانيه، وتضعفُ علاقته بأهله، وقد يُصبح عرضةً لاستخداماتٍ عشوائيَّةٍ، تُؤثِّر في بيئته العمرانيَّةِ والاجتماعيَّة، لذا لم تكن الفكرةُ بناءَ وجهةٍ جديدةٍ مكانَ الحي القديم، وإنما إعادةُ الحياةِ إلى الموجودِ أصلاً. وتقومُ فلسفةُ المشروعِ على التأقلمِ مع المكان، وليس إعادةَ تشكيله بهويَّةٍ غريبةٍ عنه. عليه، أُعيد توظيفُ البيوتِ القائمةِ لاستخداماتٍ معاصرةٍ، هذا مع الحفاظِ قدر الإمكان على ملامحها النجديَّة، وعناصرها الأصليَّة، وربطِ الأعمالِ الفنيَّةِ والإنشائيَّةِ بالاشتراطاتِ والمختصِّين المعنيين، فالغايةُ، كما يُوضح الصعنوني، لم تكن أن تبدو البيوتُ قديمةً بصورةٍ مصطنعةٍ، بل أن تبقى أصيلةً، وقابلةً للحياةِ والاستخدام، وهو ما جعل عمليَّةَ الإحياءِ تتجاوزُ ترميمَ الجدران إلى إعادةِ تفعيلِ الممرَّاتِ والساحات، وتشجيعِ المشي والتلاقي، وإيجادِ استخداماتٍ ثقافيَّةٍ، واجتماعيَّةٍ، واقتصاديَّةٍ تُعيد للحي حيويَّته. وكان التحدِّي الأكبر، هو الانتقالُ بالمكانِ من حالةِ الخمولِ إلى منظومةٍ حيَّةٍ وآمنةٍ وقابلةٍ للتشغيل الأمرُ الذي تطلَّبَ التنسيقَ بين المُلَّاك، والجهاتِ التنظيميَّة، وروَّادِ الأعمال، والمشغِّلين، والزوَّار، فإحياءُ حي تاريخي، وفق رؤيةِ المشروع، لا يتحقَّقُ بعمليَّةٍ إنشائيَّةٍ منفردةٍ، بل بمنظومةٍ مستمرَّةٍ، تُعيد تنظيمَ العلاقةِ بين المكانِ ومَن يستخدمه. وفي سياقِ اليومِ الوطني السعودي، تحملُ هذه التجربةُ دلالةً تتجاوزُ استعادةَ مبانٍ قديمةٍ، إذ تُقدِّم نموذجاً للحفاظِ على جانبٍ من الهويَّةِ العمرانيَّةِ النجديَّة، وإبقائه حاضراً في حياةِ المجتمع، فالموروثُ هنا لا يُفصَل عن الحاضر، بل يستعيدُ وظيفته، ويواصل قِصَّته، لتبقى العمارةُ التي عاشت بين جدرانها أجيالٌ سابقةٌ جزءاً من المشهدِ الذي تتعرَّفُ من خلاله الأجيالُ الجديدةُ على ذاكرةِ المكان وهويَّته.

ما رأيك بالتعرف على مدرجات جازان الجبلية.. لوحة خضراء تنعش السياحة وتُبرز إرث المكان

 

ممر مشترك يؤدي إلى ثلاثة بيوت تراثية متجاورة، ويعكس تقارب البيوت القديمة وترابطها

 

ممر داخلي في أحد البيوت الطينية القديمة بحي السمحانية، تزيّنه المشغولات اليدوية والزخارف الشعبية المستوحاة من التراث النجدي

 

من داخل أحد البيوت القديمة، حيث أُضيفت جلسة تراثية بتصميم داخلي وزخارف مستوحاة من التراث النجدي

 

«ما يميّز السمحانية أنها لا تقدّم التراث بوصفه مشهداً خارجياً، بل مكان يعاش من الداخل»
منصور الصعنوني
مؤسّس شركة السمحانية للتطوير الحضري

 


السمحانية اليوم.. التراث يعاش من الداخل

أحد البيوت الطينية القديمة التي لا تزال تحتفظ ببنائها وملامحها الأولى دون تعديلات أو ترميمات إنشائية، باستثناء لمسات الطلاء ذات الألوان الزاهية

 


بعد أن استعادت البيوتُ حضورها، بدأت مرحلةٌ أخرى من حكايةِ حي سمحان، وهي مرحلةٌ لم يعد فيها الحفاظُ على التراثِ مقتصراً فقط على صيانة المباني، بل وامتدَّ أيضاً إلى إعادةِ الحياةِ بينها، لتُصبح جزءاً من تجربةِ الزائرِ اليوميَّة. فاليوم، يحتضنُ مشروعُ السمحانيَّة بين البيوتِ، والممرَّاتِ النجديَّة مجموعةً من المقاهي والمطاعم، إضافةً إلى تجاربَ مرتبطةٍ بالحِرفِ التقليديَّة، والأعمالِ اليدويَّة، والفخَّار، ومساحاتٍ تستحضرُ جوانبَ من الموروثِ المحلي. بهذا الشكل، يتحرَّك الزائرُ داخلَ نسيجٍ عمراني قائمٍ، ويختبرُ المكان من خلال تفاصيله واستخداماته بدلَ الاكتفاءِ بمشاهدةِ واجهاته. وتكمنُ خصوصيَّةُ التجربةِ، وفق رؤيةِ المشروع، في أن السمحانيَّة ليست نسخةً حديثةً تُحاكي الماضي، ولا متحفاً يعزلُ المباني عن الحياة، وإنما حي تاريخي قائمٌ، استعادَ دوره من خلال الضيافةِ، والمشروعاتِ المحليَّة، والتجاربِ الثقافيَّةِ والاجتماعيَّة، فالقيمةُ لا تتوقَّفُ عند الطرازِ المعماري، إذ تمتدُّ إلى الذاكرةِ التي تحملها البيوتُ والأزقَّة، وعلاقتها بتاريخِ سمحان والدرعيَّة. وتُجاور هذه التجربةُ فندقَ باب سمحان الذي يستلهمُ هويَّته المعماريَّة من الطرازِ النجدي، ليُضيف إلى المنطقةِ تجربةَ ضيافةٍ تنسجمُ بصرياً وثقافياً مع محيطها. وهنا، تبدو العمارةُ النجديَّةُ قادرةً على الانتقالِ من الذاكرةِ إلى الاستخدامِ المعاصر دون أن تفقدَ السماتِ التي تمنحها خصوصيَّتها. ويختصرُ الصعنوني فلسفةَ هذه التجربةِ في أن الحفاظَ على الهويَّةِ لا يعني تجميدَ المكان، وإنما تمكينه من الاستمرارِ بوظائفَ جديدةٍ، تحترمُ تكوينه، وتُعيد ربطه بالمجتمع، فالممرَّاتُ، والساحاتُ، والمباني تُصبح أجزاءً من تجربةٍ مترابطةٍ، تُشجِّع الحركةَ والتفاعل، وتُعيد تكوينَ الحياةِ اليوميَّةِ داخل الحي.

وفي مناسبةِ اليومِ الوطني السعودي، يكتسبُ هذا المشهدُ بُعداً إضافياً، فالاحتفاءُ بالوطنِ لا يقتصرُ فقط على استعادةِ تاريخه، بل ويشملُ أيضاً صونَ ملامحِ هويَّته، وإتاحةَ الفرصةِ للأجيالِ الجديدة لأن تقتربَ منها. وفي حي سمحان، يمكن رؤيةُ جانبٍ من هذه الهويَّةِ في العمارةِ النجديَّة، والحِرف، والضيافةِ، وذاكرةِ البيوت، وهي عناصرُ، انتقلت من الماضي، لتجدَ لها مكاناً في حياةِ الحاضر.

 

أبواب ونوافذ تراثية تزيّن بيوت حي السمحانية

 

ممرات حي السمحانية بطابعها النجدي التقليدي

 

 

«كنا بيوتاً متعددة ولكن عائلة واحدة»
حفيدة محمد بن عيد المحبوب

 


ذاكرة المكان.. حين يصبح التراث جزءاً من الحاضر

أحد المداخل الداخلية لبيت محمد بن عيد المحبوب، ويظهر فيه الطابع المعماري القديم للمنزله

 


قد تتغيَّرُ المدن، وتنتقلُ العائلاتُ إلى أحياءٍ جديدةٍ، وتتبدَّلُ أنماطُ الحياة، لكنْ بعض الأماكنِ تحتفظُ بما هو أبقى من المباني: تحتفظُ بذاكرةِ أهلها. وفي حي سمحان، تبدو هذه الذاكرةُ حاضرةً في البيوتِ النجديَّة التي شهدت تفاصيلَ حياةِ أجيالٍ مضت، وفي الحكاياتِ التي ما زال أبناؤها يستعيدونها حتى اليوم. وبين طفولةِ حفيدةٍ، تتذكَّرُ ألعابها في حوشِ منزلِ جدها، ورحلاتها الأسبوعيَّةِ إلى النخيل، والأحاديثِ التي كانت تتبادلها الفتياتُ فوقَ الأسطح، وبين أعراسٍ كانت تجمعُ الجيران حول مائدةٍ واحدةٍ، تتشكَّلُ صورةٌ للحياةِ الاجتماعيَّةِ التي عاشت يوماً داخلَ هذه البيوت، وتمنحُ المكانَ قيمةً تتجاوزُ جماله المعماري. واليوم، تحملُ السمحانيَّة فصلاً جديداً من الحكاية، فالبيوتُ التي كانت مساكنَ للعائلات، استعادت حضورها بوظائفَ، وتجاربَ جديدةٍ، بينما بقيت ملامحُ العمارةِ النجديَّةِ حاضرةً، لتربطَ بين ما كان عليه المكان، وما أصبح عليه. وفي اليومِ الوطني السعودي، تحملُ هذه الحكايةُ معنى يتجاوزُ استعادةَ الماضي، فالاحتفاءُ بالوطن، هو أيضاً احتفاءٌ بذاكرته، وهويَّته، وتراثه الذي صنعته أجياله. وحين تبقى البيوتُ القديمةُ حاضرةً، وتُروى قصصُ مَن عاشوا فيها، يُصبح التراثُ جسراً، يصلُ الأجيالَ الجديدة بتاريخِ مجتمعها، وليس مجرَّد صورةٍ من زمنٍ مضى. بهذا الشكلِ، يُواصل حي سمحان سردَ حكايته: من بيوتٍ احتضنت حياةَ الأهالي، وأفراحهم، وذكرياتهم إلى مكانٍ يستقبلُ اليوم أجيالاً جديدةً، تعبرُ الأزقَّةَ نفسها، وتكتشفُ جانباً من تراثِ نجد. وبين الماضي والحاضر، تبقى قيمةُ المكانِ في قدرته على الاحتفاظِ بروحه، لتظلَّ الهويَّةُ السعوديَّةُ إرثاً يُصان، وذاكرةً تُروى، وحكايةَ وطنٍ، تستمرُّ من جيلٍ إلى جيل.

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

واجهة بيت محمد بن عيد المحبوب
باب تراثي يزيّن أحد بيوت حي السمحانية
عمل فني مستوحى من الألوان والزخارف التراثية، يزيّن أحد أركان منزل شعبي قديم