mena-gmtdmp

كيف تتخذ قرارات أفضل وتتخلص من التردد؟.. خبيرة قيادة تجيب

التردد يرتبط بالثقة بالنفس - المصدر magnific
التردد يرتبط بالثقة بالنفس - المصدر magnific

قد يعاني كثير من الشباب من قلة الخبرة التي تجعلهم بشكل تلقائي غير واثقين في قراراتهم، ومن هنا تأتي دائرة التردد. فقد تكون حائراً بين قرار بالبدء أو بالتوقف، بقبول فرصة جديدة أو بترك ما لم يعد يشبهنا. وبين القرار الذي نتخذه والقرار الذي نؤجله، تتشكل ملامح حياتنا شيئاً فشيئاً.
في هذا الحوار، تتحدث الدكتورة دانة صافتلي، المدربة  المعتمدة في القيادة (ACC - ICF)، عن الأسباب الحقيقية وراء التردد، وكيف يمكن اتخاذ قرارات أكثر وعياً في الحياة الشخصية والمهنية.

إعداد: إيمان محمد 

لماذا لا توجد مهارة أكثر تأثيراً من اتخاذ القرار؟

تقول د. دانة إننا غالباً ما ننظر إلى الإنجازات والنجاحات باعتبارها أحداثاً كبيرة، لكن الحقيقة أن وراء كل نجاح سلسلة من القرارات الصغيرة التي تراكمت مع الوقت. وتؤكد "الإنسان الذي يتمتع بصحة جيدة لم يصل إليها في يوم واحد، بل من خلال قرارات يومية متكررة، والقائد الناجح لم يصبح كذلك بقرار واحد، بل بعشرات القرارات التي صنعته خطوة بعد أخرى". وتستشهد بقول خبير القيادة جون ماكسويل إن "الحياة سلسلة من الخيارات"، وتضيف: "نحن اليوم حصيلة قرارات الأمس."

التردد قد يدفعك نحو خسارة فرص في العمل - المصدر magnific.

كيف يصنع قرار صغير متكرر فرقاً كبيراً بعد سنوات؟

تروي د. دانة مثالاً توضيحياً "تخيل شخصين تخرجا من الجامعة في العام نفسه، وبالمعدل نفسه تقريباً. لم يكن بينهما فرق كبير في الذكاء أو الإمكانات، لكن أحدهما اتخذ قراراً بسيطاً، وهو أن يخصص ساعة يومياً للتعلم والتطوير، يقرأ كتاباً، يحضر دورة تدريبية، أو يستمع إلى محتوى يوسع مداركه. أما الآخر فكان يؤجل ذلك باستمرار إلى حين توفر الوقت المناسب."
وتشير إلى أنه في البداية لم يظهر أي فرق بينهما، وبعد عام أو عامين بدا مسارهما متشابهاً، "لكن بعد عشر سنوات، أصبح الأول خبيراً في مجاله، يقود فريقاً أو مشروعاً كبيراً، بينما لا يزال الثاني يتساءل لماذا لم تتغير حياته بالشكل الذي كان يطمح إليه." وتؤكد أن "الفرق لم يكن في الموهبة، بل في قرار صغير تكرر كل يوم حتى صنع مستقبلاً مختلفاً"، فالقرارات "نادراً ما تغير حياتنا دفعة واحدة، لكنها تغيّر اتجاهها".

من أين يبدأ القرار الحقيقي؟

تؤكد د. دانة أن القرار الحقيقي لا يبدأ من الخيارات المتاحة أمامنا، بل يبدأ داخلنا، "في ذلك الحوار الصامت الذي يدور في أذهاننا طوال الوقت، هل أنا مستعد؟، ماذا لو فشلت؟، هل سأندم لاحقاً؟".
وتوضح أن هذا الصوت الداخلي يؤثر في طريقة رؤيتنا لأنفسنا وللعالم من حولنا، مستشهدة بـ مارك براكيت، المتخصص في الذكاء العاطفي، الذي يرى أن "المشاعر ليست عقبة أمام القرار، بل مصدر معلومات مهم"، لكن المشكلة تظهر "عندما نسمح للخوف أو القلق أو الشك بأن يقود القرار بدلاً من أن يساهم في فهمه". وتلخص ذلك بقولها: "الأفكار التي نكررها داخل عقولنا تتحول إلى مشاعر، والمشاعر تتحول إلى أفعال، والأفعال المتكررة تتحول إلى مصير".

الدكتورة دانة صافتلي، المدربة المعتمدة في القيادة (ACC - ICF)

لماذا نتردد رغم أننا نعرف الإجابة أحياناً؟

من واقع خبرتها، تلفت د. دانة إلى أن التردد "في كثير من الأحيان لا يكون بسبب نقص المعلومات، بل بسبب نقص الثقة"، وتستعيد قصة موظفة عُرضت عليها فرصة للترقية إلى منصب قيادي، "كانت تمتلك المؤهلات والخبرة، وكان مديروها يؤمنون بقدراتها، لكن شيئاً ما بداخلها كان يهمس باستمرار، ربما هناك منْ هو أفضل مني، لست جاهزة بعد، ماذا لو فشلت أمام الجميع؟". وبعد أسابيع من التفكير والقلق، اعتذرت عن قبول المنصب، "وبعد عدة أشهر أُعطي المنصب لشخص آخر أقل خبرة منها، لكنه كان أكثر استعداداً للمحاولة".
وتعلق د. دانة "لم تكن العقبة في الواقع خارجها، بل في القصة التي كانت ترويها لنفسها"، مشيرة إلى أن هذا النوع من التفكير يرتبط بما يعرف بـ"متلازمة المحتال"، حيث يشعر الإنسان بأنه لا يستحق النجاح الذي حققه أو أنه أقل كفاءة مما يراه الآخرون. وتحذر قائلة "التردد لا يحمينا دائماً من الفشل، بل قد يحرمنا من فرص النجاح أيضاً".

ما السؤال الأقوى الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا؟

ترى د. دانة أن السؤال الذي يخطر ببالنا غالباً أمام قرار مصيري هو "ماذا سيحدث إذا اتخذت هذا القرار؟"، لكن هناك سؤالاً أكثر قوة: "منْ سأصبح إذا اتخذته؟"، وهو ما تسميه "جوهر التفكير العكسي".
وتستشهد بقصة أحد رواد الأعمال الذي كان يحلم لسنوات بإطلاق مشروعه الخاص، ويمتلك الفكرة والخبرة والشغف، لكنه كان عالقاً في دائرة الخوف، يسأل نفسه: "ماذا لو خسرت المال؟"، "ماذا لو لم ينجح المشروع؟"، "ماذا لو ارتكبت خطأ؟". لكنه في إحدى لحظات التأمل طرح سؤالاً مختلفاً "كيف ستكون حياتي بعد عشر سنوات إذا لم أحاول أصلاً؟"، وكانت الإجابة "أكثر إيلاماً من كل احتمالات الفشل". وفي تلك اللحظة، بحسب د. دانة، "أدرك أن تكلفة الندم قد تكون أكبر من تكلفة الفشل"، فاتخذ القرار. وتضيف: "بعض القرارات لا تغيّر نتائجنا فقط، بل تغيّر شخصياتنا".

كيف تُساعدنا القيم على اتخاذ قرار أوضح؟

تشرح د. دانة أن القرارات الصعبة "ليست معقدة بطبيعتها، لكنها تبدو كذلك عندما لا نعرف بوضوح ما الذي يمثلنا حقاً"، وتؤكد "عندما تكون قيمك واضحة تصبح اختياراتك أوضح"، فمن يضع التعلم أولوية "سيختار الفرص التي تساعده على النمو حتى لو كانت أكثر صعوبة"، ومن تكون الأسرة أولوية أكبر لديه "قد يختار طريقاً مختلفاً تماماً".
وتقترح مجموعة من أسئلة التأمل الذاتي كأداة لاتخاذ القرار:

  • هل ينسجم هذا القرار مع قيمي؟
  • هل يعبر عما أؤمن به؟
  • هل أخشى الفشل أم أخشى التغيير؟
  • هل أبحث عن القرار الصحيح أم عن ضمانة كاملة؟

وتؤكد "القرار الذي ينسجم مع قيمك، يمنحك سلاماً داخلياً حتى عندما يكون صعباً".

هل تختلف قرارات المؤسسات عن قرارات الأفراد؟

تلفت د. دانة إلى أن "المؤسسات لا تختلف كثيراً عن الأفراد، فالقرارات تصنع مستقبل الشركات كما تصنع مستقبل الأشخاص"، وتوضح أن عالم الأعمال يواجه خطرين متعاكسين، وهما: التسرع، والتردد. فبعض الشركات "تتخذ قرارات متعجلة تدفع ثمنها لاحقاً"، بينما تقع شركات أخرى فيما يسمى "شلل التحليل"، حيث تستمر في دراسة الاحتمالات وجمع البيانات "إلى أن تضيع الفرصة بالكامل".
وتضيف أن تاريخ الأعمال "مليء بمؤسسات كبيرة فقدت مكانتها؛ لأنها تأخرت في الاستجابة للتحولات الجديدة في السوق، بينما تقدمت مؤسسات أخرى؛ لأنها امتلكت الجرأة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب"، ولذلك، كما تختم بقول جون ماكسويل إن "القيادة هي التأثير"، فـ"القيادة الفعالة لا تتمثل في اتخاذ القرار المثالي دائماً، بل في اتخاذ قرار مدروس في الوقت المناسب، ثم التعلم المستمر من نتائجه".

خمسة أسئلة قبل أي قرار مهم

تنصح د. دانة بالتوقف قبل أي قرار مصيري وسؤال النفس:

  • هل أتخذ هذا القرار بدافع القناعة أم بدافع الخوف؟
  • هل ينسجم مع قيمي؟
  • منْ سأصبح إذا اتخذته؟
  • منْ سأصبح إذا لم أتخذه؟
  • ما الثمن الحقيقي للاستمرار في التردد؟

وتقول "في كثير من الأحيان نجد أن الإجابة كانت موجودة داخلنا منذ البداية، لكنها كانت مختبئة خلف الضجيج والخوف".
وتختم د. دانة صافتلي حديثها بقولها "في نهاية حياتنا، لن نتذكر معظم الأيام العادية التي مرت بنا، لكننا سنتذكر بعض القرارات التي غيّرت كل شيء: وظيفة قبلناها، فرصة لم نهرب منها، مشروعاً بدأناه، أو خطوة جريئة اتخذناها رغم الخوف. فالحياة لا تتغير دائماً في لحظة واحدة، لكنها قد تتغير بقرار واحد. لذلك لا تسأل فقط هل سأفشل لو اتخذت هذا القرار؟ اسأل سؤالاً أعمق منْ سأصبح إذا امتلكت الشجاعة لاتخاذه؟ لأن القرارات العظيمة لا تصنع مستقبلاً أفضل فحسب، بل تصنع إنساناً أفضل أيضاً".
اقرئي أيضاً من الصفر إلى النجاح.. كيف تحصل على وظيفة أحلامك دون خبرة سابقة؟