mena-gmtdmp

طبعة الصحف.. حين يكتب الحبر تاريخ الموضة

من عرض موسكينو Moschino لخريف وشتاء 2014 في ميلانو-  الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
من عرض موسكينو Moschino لخريف وشتاء 2014 في ميلانو- الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©

في عامِ 2026، تحتفلُ طبعة الصحف Newspaper Print بمرورِ 160 عاماً على أوَّلِ ظهورٍ موثَّقٍ لها في عالمِ الأزياء، وهي قِصَّةٌ، بدأت بفستانٍ مستوحى من الصحافةِ في ملبورن عامَ 1866 قبل أن تتحوَّل لاحقاً إلى واحدةٍ من أكثر الطبعاتِ ارتباطاً بتاريخِ الموضة وثقافةِ البوب.

وبينما ارتبطت في الذاكرةِ الحديثةِ بفستان كريستيان ديور Christian Dior الذي ظهرت به كاري برادشو ، فإن حكايةَ هذه الطبعة تعودُ إلى القرنِ الـ 19، وتكشفُ عن علاقةٍ قديمةٍ بين الملابسِ والكلمةِ المطبوعة.


بداية القصة

 

 


يعودُ أحدُ أقدمِ الأمثلةِ الموثَّقةِ لهذه النقشةِ إلى مدينةِ ملبورن الأستراليَّة، وتحديداً إلى عامِ 1866 عندما ظهرت السيِّدةُ ماتيلدا باتيرز Matilda Butters في حفلٍ تنكُّري، نظَّمه عمدةُ المدينة، إذ ارتدت فستاناً، حملَ اسم The Press. ولم يُصنَع الفستانُ من الورق، بل من ألواحٍ حريريَّةٍ، طُبِعَت عليها الصفحاتُ الأولى للصحفِ المحليَّة، ونفَّذته مصمِّمةُ الأزياء المحليَّة ويليامز دوبس Mrs. William Dobbs.

ولم تكن الفكرةُ مجرَّد اختيارِ طبعةٍ غير مألوفةٍ، بل حملت بُعداً استعراضياً واضحاً، فالملابسُ تحوَّلت إلى وسيلةٍ لنقلِ الرسائلِ والمعلومات تماماً كما تفعلُ الصحيفة. ومنذ تلك اللحظة، بدأ النسيجُ المطبوعُ بالنصوصِ والصور يؤدّي دوراً، يتجاوزُ الزخرفة، ليُصبح وسيلةً للتعبيرِ عن الشخصيَّةِ، والمرحلةِ الاجتماعيَّةِ والثقافيَّة التي ينتمي إليها صاحبُ الإطلالة.

 

السوبرموديل إيل ماكفريسون Elle McPherson في موناكو، عام 2000 (المصدر: Thierry Orban/ Sygma via Getty Images)

 

لغة الموضة

عارضة أزياء تقدّم بدلة بطبعة الصحف من جون غاليانو John Galliano، ربيع 2001 (المصدر: Victor Virgile/Gamma-Rapho via Getty Images)

 


العلاقةُ بين الصحيفةِ والأزياءِ ليست بعيدةً كما قد تبدو للوهلةِ الأولى، فكلاهما وسيلةٌ للقراءةِ والتواصل، إذ إن الصحيفةَ تنقلُ الأخبارَ السياسيَّةَ، والرياضيَّةَ، والثقافيَّة، بينما يمكن قراءةُ الملابسِ لفهمِ شخصيَّةِ مَن يرتديها، وذوقه، ومكانه، والمرحلةِ الزمنيَّةِ التي ينتمي إليها.

وهذه الفكرةُ ظهرت بوضوحٍ في أعمالِ المصمِّم بول بواريه Paul Poiret في بداياتِ القرنِ العشرين قبل أن تمنحَ المصمِّمةُ إلسا سكاباريللي Elsa Schiaparelli طبعة الصحف مكانةً أكثر وضوحاً في لغةِ الموضةِ الحديثة.

وفي منتصفِ ثلاثينيَّاتِ القرنِ الماضي، استوحت سكاباريللي الفكرةَ بعد أن شاهدت نساءً في كوبنهاغن يرتدين قبَّعاتٍ مصنوعةً من الصحفِ بشكلٍ عفوي، إذ سرعان ما حوَّلت قصاصاتِ الصحفِ إلى طبعاتٍ، تحملُ روحاً سرياليَّةً، ظهرت على البلوزاتِ، والأوشحةِ، والقبَّعاتِ، وقطعِ الأزياءِ المخصَّصة للعطلات.

أمَّا بالنسبةِ إلى سكاباريللي، فلم تكن الكتاباتُ، والعناوين مجرَّد عناصرَ زخرفيَّةٍ، بل كانت وسيلةً للسخريةِ، واللعبِ البصري، والتعليقِ على علاقةِ الموضةِ بالشهرةِ والظهور.

العارضة ليندسي ويكسون Lindsey Wixson خلال عرض موسكينو Moschino لخريف وشتاء 2014 في ميلانو (المصدر: Catwalking/ Getty Images)


جون غاليانو يجعل طبعة الصحف الأشهر في تاريخ الموضة الحديث

سارة جيسيكا باركر Sarah Jessica Parker  في نيويورك، عام 2009 (المصدر: James Devaney/ WireImage / Getty Images)

 


إذا كانت سكاباريللي Schiaparelli قد أدخلت الصحافةَ إلى عالمِ السرياليَّة، فإن جون غاليانو John Galliano جعل منها واحدةً من أكثر الطبعاتِ شهرةً في تاريخِ الموضةِ الحديث.

وفي مجموعةِ كريستيان ديور Christian Dior لخريف وشتاء 2000، أعاد غاليانو تقديمَ الـ Newspaper Print بأسلوبٍ جريء مستخدماً صفحاتِ الصحفِ، والعناوين، والنصوصِ على فساتينَ وقطعٍ، اتَّسمت بالقصَّاتِ غير التقليديَّة، والطابعِ المسرحي. كذلك ظهرت هذه الفكرةُ في مجموعته لربيع وصيف 2000 التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب استلهامها من مظهرِ المشرَّدين، وما عُرِفَ حينها بمفهومِ Hobo Chic.

ولم يكن الجدلُ متعلِّقاً بطبعة الصحف بحدِّ ذاتها، وإنما بالطريقةِ التي أعادَ بها غاليانو تقديمَ عناصرَ مرتبطةٍ بالفقرِ والتشرُّدِ ضمن أزياءٍ فاخرةٍ. ومع ذلك، استمرَّ المصمِّم في استخدامِ الطبعةِ بمجموعاتٍ لاحقةٍ، وأصبحت الصحيفةُ جزءاً متكرِّراً في قاموسه البصري.

واللافت أن غاليانو لم يكتفِ بالنصوصِ الصحفيَّةِ التقليديَّة، بل واعتاد أحياناً على دمجِ صورته، واسمه، وعباراتٍ مرتبطةٍ بأعماله داخل هذه الأقمشة، لتتحوَّل الصحيفةُ المطبوعةُ إلى ما يُشبه الشعارَ الشخصي، والتوقيعَ البصري للمصمِّم.

تابعي أيضًا أسبوع ميلانو للجمال Milan Beauty Week 2026.. بين إرث الحرفة وفخامة الابتكار

 

منحت إلسا سكاباريللي طبعة الصحف مكانة أكثر وضوحاً في لغة الموضة الحديثة. فبعد أن شاهدت نساء في كوبنهاغن يرتدين قبعات مصنوعة من الصحف، حولت بدورها قصاصات الصحف إلى طبعات، تحمل روحاً سريالية في الأزياء

 

 

طبعة الصحف من منصَّة العرض إلى الثقافة الشعبيَّة

جيزيل بوندشن Gisele Bündchen خلال عرض موسكينو Moschino ربيع 2014 (المصدر:Catwalking/Getty Images)

 


وصلت شهرةُ Newspaper Dress إلى مستوى جديدٍ عندما ارتدت ساره جيسيكا باركر Sarah Jessica Parker في دورِ «كاري برادشو» فستاناً لكريستيان ديور Christian Dior بطبعةِ الصحف. الفستانُ تحوَّل إلى واحدةٍ من أكثر إطلالاتِ المسلسلِ رسوخاً في ذاكرةِ الموضة، وأصبح مثالاً على قدرةِ التلفزيون والسينما على نقلِ قطعةِ أزياءٍ من منصَّةِ العرض إلى الثقافةِ الشعبيَّة. ومنذ ذلك الوقت، باتت طبعة الصحف مرتبطةً بصورةِ «كاري برادشو» تماماً كما ارتبطت بعضُ القطعِ الأخرى بشخصيَّاتِ الموضةِ الأكثر تأثيراً في الشاشة.

 

نقشة الجريدة مع مجموعة Chanel Cruise 2026/2027


بعد 160 عاماً من ظهورها الأوَّل، تعودُ طبعة الصحف أو نقشةُ الجريدة، كما يُشارُ إليها أيضاً، إلى دائرةِ الضوءِ مجدَّداً مع مجموعةِ Chanel Cruise 2026/27 التي قدَّمها ماتيو بلازي Matthieu Blazy في بياريتز، 28 إبريل 2026. واختار بلازي الصحيفةَ بوصفها مرجعاً، يجمعُ بين التاريخِ، والهويَّةِ المحليَّة، والذاكرةِ البصريَّةِ للدار. وتحملُ الطبعةُ أيضاً إشارةً إلى كوكو شانيل Coco Chanel التي عُرِفَت بحبِّها لقراءةِ الصحف، في وقتٍ كانت فيه هذه العادةُ تُعدُّ أقربَ إلى السلوك الرجالي. كذلك ارتبطت الفكرةُ بأجواءِ بياريتز نفسها، المدينة الساحليَّة التي استلهمَ منها بلازي صورةَ الورقِ المستخدمِ تقليدياً لتغليفِ طبق السمك والبطاطس fish & chips، لتتحوَّل الصحيفةُ من مجرَّد اقتباسٍ تاريخي إلى جزءٍ من قِصَّةِ المكان.

ديور Dior خريف وشتاء 2000-2001 (المصدر: Pierre Vauthey/ Sygma via Getty Images)

 

ما يجعل طبعة الصحفِ مستمرة حتى اليوم، هو قدرتها على حمل أكثر من معنى في الوقت نفسه، فهي قد تكون مرجعا تاريخياً، أو تعليقاً اجتماعياً، أو لعبة بصرية، أو وسيلة لإيصال رسالة

 

 

طبعة الصحف .. أكثر من معنى في الوقت نفسه

ديور Dior الخياطة الراقية ربيع 2000 (المصدر: Daniel Simon /Gamma-Rapho via Getty Images).

 


ما يجعلُ طبعةَ الصحفِ Newspaper مستمرَّةً حتى اليوم، هو قدرتها على حملِ أكثر من معنى في الوقتِ نفسه، فهي قد تكون مرجعاً تاريخياً، أو تعليقاً اجتماعياً، أو لعبةً بصريَّةً، أو وسيلةً لإيصالِ رسالةٍ، أو حتى مجرَّد اختيارٍ جمالي لافتٍ.

ومن فستانِ ماتيلدا باترز Matilda Butters عامَ 1866، مروراً بسرياليَّةِ سكاباريللي Schiaparelli، ووصولاً إلى تصاميمِ غاليانو Galliano، وفستانِ «كاري برادشو» Carrie Bradshaw، أثبتت هذه الطبعةُ أن الموضةَ لا تكتفي بارتداءِ الصورِ والألوانِ فقط، بل ويمكنها أيضاً أن ترتدي الكلمات.

وفي 2026، ومع إعادةِ دار شانيل Chanel تقديمها، يبدو أن صفحاتِ صحيفةِ الموضةِ لم تُطوَ بعد، بل عادت لتكتبَ فصلاً جديداً في تاريخِ الأزياء.

يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

  1. ديور Dior ريزورت 2027  الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
  2. ديزيغوال Desigual.
  3. حقيبة من ديور Dior. 
  4. شانيل Chanel ريزورت 2027  الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
  5. موسكينو Moschino ربيع وصيف 2026  الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
  6. بالنسياغا Balenciaga ربيع وصيف 2018  الصورة من Launchmetrics/Spotlight ©
  7. تصميم من مجموعة Gazette التي صمّمها جون غاليانو John Galliano، عام 2000

سارة مرتضى

محررة أولى

محررة أولى في قسم الأزياء في مجلة سيدتي، ومحررة أولى  في قسمي الموضة والجمال في الموقع الإلكتروني. تمتلك الخبرة في مجالات الموضة والإعلام، وتشمل خبرتها الصحافة والتحرير الإخباري وإجراء المقابلات وإدارة الفرق. تمتاز بقدرتها العالية على التنظيم والتواصل والإبداع في تقديم محتوى يلبي أهداف التحرير ويواكب توجهات الموضة. تهوى السباحة والقراءة والتسوق.

محررة أولى في قسم الأزياء في مجلة سيدتي، ومحررة أولى  في قسمي الموضة والجمال في الموقع الإلكتروني. تمتلك الخبرة في مجالات الموضة والإعلام، وتشمل خبرتها الصحافة والتحرير الإخباري وإجراء المقابلات وإدارة الفرق. تمتاز بقدرتها العالية على التنظيم والتواصل والإبداع في تقديم محتوى يلبي أهداف التحرير ويواكب توجهات الموضة. تهوى السباحة والقراءة والتسوق.