20/30 عين على الشاشة: "سرايا عابدين" ينقل العنف الأسري لجناح الخديوي اسماعيل

15 صور

مازال مسلسل "سرايا عابدين" الدرامي وليس التاريخي كما أقرت مؤلفته هبة حمادة من أنه ليس وثيقة تاريخية مع أنه يشوه الشخصيات التاريخية ،وكما أقرت بطلته الأولى يسرا التي دافعت عن العمل بقوة وأثنت على فعل المؤلفة. ولكن المسلسل مستمر في تشويه سيرة وإنجازات الخديوي اسماعيل الذي حقق إنجازات لم يحقق مثلها من أتى بعده حتى حفيده الملك فاروق. ففي الحلقة السابعة عشرة التي يدفن فيها الخديوي اسماعيل جثة شمس في مقبرة العائلة،وفي الحلقة الـ18 التالية لها يتبين أنها لم تمت،وخبأها الخديوي اسماعيل في جناحه مدعياً موتها ليكشف مؤامرة قتلها والمشتركين فيها. وفي الحلقة التاسعة عشرة يعقد الخديوي اجتماعاً في جناحه الخاص مع رجال القصر من بينهم الخائن مدير شؤون السرايا خيرالدين (عبدالحكيم قطيفان) ،ويخرجون جميعاً،ويتباطأ فخري بالخروج لإحساسه بوجود شخص،فيحمل شمعة،ويدخل الغرفة للإستكشاف، ويكتشف وجود شمس ،فيرمي الشمعة على السجاد بهدف إشعال غرفتها وحرقها بداخله، ويقفل الباب عليها للتخلص منها نهائياً. فهل هكذا ببساطة، مسموح لأي كان بدخول غرفة الخديوي اسماعيل الخاصة؟ وبالأصل لا يوجد في بروتوكول الملكيات أو الجمهوريات الحديثة عقد إجتماعات شؤون الحكم في أجنحة الحكام الخاصة، ،فمن المعروف أنه يوجد ديوان خاص للحاكم يعقد فيه لقاءاته واجتماعاته مع مرؤسيه من الوزراء والمستشارين.


شمس تتحدى الخديوي بجرأة
وتستنجد شمس لإنقاذها من النيران ،وحظها السعيد يجعل الخدم يخبرون الخديوي خلال عقده إجتماع عمل بالحريق. فينقذها من موت محقق. وفي سبيل التخلص منها توجه زوجات الخديوي لشمس دعوة للقائها والإعتذار إليها. في الوقت نفسه يكون الخديوي اسماعيل مستمتعاً مع شمس يسألها عن سر موافقتها اللقاء بهنّ فأجابته: "لن أفوت فرصة إغاظتهنّ لكن هل ترضى لي أن أكون موضوع نميمة زوجاتك بهذا الفستان"؟ ، فينادي مربيه ومسؤول جناحه الخاص ياسين ويأمره بأن يجهز لها الجواهرجي أغلى عقد ألماس، وتأخذ مقاساتها لتفصل لها فستان (هوت كوتور) يناسب جمالها،ولينفذ الأمر ذاته لباقي زوجاته كلهنّ، فيخيب أمل شمس التي ظنت أنها ستتميز عنهنّ فصارحها الخديوي: "قلبي معك لكن عقلي معي ،فلا يصور لك غرورك لك أن أصبح أداة تحقق لك رغباتك،أنا الخديوي اسماعيل"،وهنا تنسى نفسها أمامه،وترد عليه بصوت عال: "وأنا شمس قادين ،إما تكون ليا وحدي يا مش حتاخد مني حاجة"،فيقول لها: "ترفعين صوتك عليّ،ويصفعها بقوة على وجهها،فتسقط على الأرض ويرتطم رأسها بشيء صلب في الغرفة ويغمى عليها،وعندما يحملها بين ذراعيه يفاجأ برأسها ينزف،فيطلب استدعاء الطبيب بشر ،وتنتهي الحلقة.
وهذه ليست الصفعة الأولى التي وجهها الخديوي اسماعيل بالمسلسل،سبقتها في حلقة سابقة،صفعه لزوجته الدمشقية جشم قبل دخوله غرفتها،ما قد يجعل المتلصصين في بهو القصر يعرفون بما يجري بينهما،حيث صفعها أيضاً على وجهها عقاباً لها لردها استضافتها له في جناحها بناءً على طلبه لأنه لا يريد إطلاع أحد على سر شمس وتخبئتها في جناحه الخاص، ورفضها أيضاً هديته الثمينة التي أرسلها لها بمثابة اعتذار منه لها لأنه ردها من جناحه من أجل البقاء مع شمس قادين. وهنا جعلت المؤلفة الخديوي اسماعيل المثقف المتحضر الذي تلقى علمه في باريس، وزار دولاً عدة في أوروبا يعنف زوجاته جسدياً بالضرب،ويؤدبهنّ بالضرب،فالعنف الأسري المنتشر في بيوت خاصة الناس وعامتهم، انتقل أيضاً، وبقدرة قادر إلى قصر عابدين حيث يمارس الخديوي اسماعيل العنف على حريمه وجواريه، وليسرّ الأزواج الذين يمارسون العنف الأسري في عصرنا الحالي الذين يعتقدون أن ما يرونه على الشاشة هو الحقيقة، وأن هذا العمل الدرامي يكشف حياة الخديوي اسماعيل فعلاً.

مؤامرات بالجملة لكنها منزوعة الدسم التشويقي
والمثير أن مسلسل "سرايا عابدين" بأخطائه التاريخية الكثيرة ،أصبح الشغل الشاغل للنقاد المصريين والعرب،ومغامرات الخديوي النسائية موضوع تندرهم في مواقع التواصل الإجتماعي بدسائسه السريعة غير المقنعة وغير المنطقية.
فـ"سرايا عابدين" غني بمؤامرات بالجملة في كل حلقة،لكنها مؤامرات منزوعة الدسم التشويقي ،كيف؟ في كل حلقة تتم مؤامرة سريعة الإيقاع والتنفيذ. لكننا لا نراها لحظة تنفيذها،فلم نر وصيفة فريال وهي تضع السم في طعام الأمير توفيق، فمات الأمير فؤاد في الحلقة ذاتها بالخطأ عنه، وفي الحلقة التالية تتهم فريال شقيقه الأمير توفيق بقتله، ويطلقها الخديوي اسماعيل، وفي الحلقة التالية يصالحها برقصة، وفي حلقة أخرى يتم إمساك زينهم خطيب شمس السابق يحاول البحث عنها في جناح الخديوي فيمسك ويعدم من الحرس بدون معرفة من الذي أمر بإعدامه بدون علم الخديوي؟
ومحاولات قتل شمس،في حلقة تموت وتدفن،وفي الحلقة التالية تظهر مختبئة في جناح الخديوي، وفي الحلقة 20 تموت شفق هانم وابنتها الأميرة أمينة بوباء الكوليرا فجأة، لصبح مكان الزوجة الرابعة شاغراً وجاهزاً لشمس ،ومعروف أن شفق هانم لم تمت مبكراً بل عاشت حتى رأت إبنها الأمير توفيق، الخديوي توفيق حاكماً لمصر بعد أبيه ، وثم تطلقت من الخديوي اسماعيل ،وصرنا نعرف ماذا سنشاهد بعد دقائق، لم تعد دسائس حريم "سرايا عابدين" تفاجئنا لأنها ببساطة: منزوعة الدسم وخالية من كافة أشكال الإثارة والتشويق المفترضة.


هل كان مصطلح أزياء الهوت كوتور سائداً في القرن التاسع عشر؟
وتتكرر الأخطاء ثانيةً ،وبرز خطأ جديد حين طلب الخديوي اسماعيل في نهاية الحلقة التاسعة عشرة من مدير جناحه الخاص ياسين أن تؤخذ مقاسات شمس قادين ويفصل لها فستان (هوت كوتور) يناسب جمالها،ولم يكن هذا المصطلح الذي يطلق على فساتين السهرة سائداً في القرن التاسع عشر،ولم يدون حتى في كتب المؤرخين،وانتشر هذا المصطلح في القرن العشرين فقط، وابتكر وأطلق هذا المصطلح عدداً من مصممي أزياء أوروبا المعاصرين والمصممين اللبنانيين المشهورين عالمياً، وبالأخص المصممين اللبنانيين ودور الأزياء العالمية المتخصصة بهذا النوع من الأزياء الراقية المشغولة يدوياً والتي يأخذ تصميمها وشغلها أسابيع.
والمثير للسخرية أن يتحدث الخديوي اسماعيل بلغة راقية وتتحدث محظيته شمس بلغة سوقية لا يكون محوره الحب بل الجنس بقولها له: "أنا شمس قادين،إما تكون ليا وحدي يا مش حتاخد مني حاجة"، فحتى لو كان أصل شمس متواضعاً فغير منطقي ولا يعقل أن تجرؤ جارية على محادثة ملك بهذه الصورة، ما يشعر المشاهد أنه يتابع مسلسلاً نصف عصري ونصف شعبي غير متجانس يرتدي أبطاله أزياء تاريخية كلاسيكية في حفل تنكري،وهو بالفعل عمل فني درامي حديث متنكر بأزياء تاريخية من القرن التاسع عشر.