mena-gmtdmp

عِزَّة المكان

إذا شئتَ أن تقتل شخصاً، لا تصوّب إليه رصاصة بل أطلقْ عليه شائعة.

هذا القول يُنسب إلى الكاتب اللبناني الساخر سعيد تقي الدين. وقد تذكّرتُه مؤخراً عندما صوّبَ أحدُهم باتجاهي أمراً وليس شائعة؛ ويطلب فيه إخلاء الشقّة التي نشغلها منذ نصف قرن؛ ذلك لأن صاحب العمارة باعها، وهي ستُهدم لكي ترتفع مكانها إحدى المباني ناطحات السحاب التي تغزو حالياً العاصمة اللبنانية، بيروت.

لستُ أدري لماذا فعلتْ بي كلمات الغريب، فِعلَ الرصاص، مع ان الصوت كان لطيفاً ومهذّباً.

وببساطة، طلب موعداً لكي نلتقي ونتفاهم.

وعلى ماذا؟

وكيف سأشرح للرجل ماذا يعني لنا المكان؟

وهل بوسعه أن يعودَ معي إلى ذاك الزمان البعيد، عندما كنتُ أمّاً في عزّ صباها، وتقوم صباح كل يوم، بجرِّ عربة الطفلة، وتتجوّل معها في الجوار. وتُرحّب بها العمارة كلما مرّت بقربها، حتى يُخيّل إليها أنها تدعوها، بل تكاد تحضنها.

وقد احتضنتها في الواقع مع أفراد أسرتها، عندما تمّ «النصيب» وكتبوا عقد الإيجار. تذكر حتى اليوم، عندما وطئتْ قدمها عتبةَ الشقة، وذلك الشعور بدفء الاستقبال، وترحيب المكان.

سبعونات القرن المنصرم كانت فسحة لتحقيق أحلامها، ضمن العائلة، كما في دائرة عملها.

وفي خلال تلك السنوات، اتسعت دائرة الصداقات، من داخل الوطن، أو من خارجه. وهي بحكم عملها ترحّب بالزملاء والأصدقاء، ويشاركها الزوج وسائر أفراد العائلة، وتعمر السهرات بالشعر والفنّ وعقد لقاءات أتت بثمار كثيرة.

لم يكن صالون الدار واسعاً، فكيف كان يتمدّد في تلك الجلسات ليضمَّ كُتَّاباً وفنّانين من الشرق ومن الغرب، مثلما كان يضمّ الأولاد وأصدقاءهم.

وعندما وقعت الحرب، وشاهدتْ الناس يغادرون الحيّ، زاد تعلُّقُها بالمكان.

وكتبتْ آنذاك في دفتر يومياتها: إن الغني وطنُهُ الكون بأسره، بينما تضيقُ بالفقراء مساكنُهم والمطارح. ووجدتْ أن تعلُّقها بالمكان قد ازداد.

ولم يسلم البيت من إصابات الحرب من حريق أو دمار. وكانت، في كل مرّة، تنهض لتعيد البناء، وتمسح الحزن عن الجدران، ولتغرس الأخضر فوق الشرفات.

وها أن صوتاً غريباً يأتيها من حيث لا تدري ويطلب منها أن تُخلي المكان... فبماذا تجيب؟