mena-gmtdmp

أن تخلق عالمًا ممكنًا

في الأيام الأولى من كل سنة جديدة سنتذكر السنة التي مضت، تلك السنة التي كبرنا فيها عشرات السنين، السنة التي فقدنا فيها الكثير من المعاني، وبدأنا إعادة ترتيب أولوياتنا في الكثير من الأمور. السنة التي شاهدنا فيها التلفاز أكثر عن تلك الأيام التي تسمرنا أمامها لمشاهدة حرب لبنان وإسرائيل، وسقوط أبراج أميركا، أو غزو العراق وأفغانستان، أو حتى تلك السنوات التي كنت فيها صغيرة أشاهد بخوف كبير الحروب التي أبادت البشر، وقطعت الأمل فينا في عالم أفضل. ولكن مع كل الذي صار -والذي مازال يصير- تحدث تلك الأمور الجميلة التي تعيد لنا رغبتنا في الحياة، في أن نكون هنا مع من نحب أقرب وأكثر عطاءً. فبالرغم من القلق الذي ينتابني من بداية الأخبار حتى نهايتها وعقلي الذي يحلل، ويحاول التغاضي عن تلك الأمور المخيفة الممكنة، قررت أن أهجر تلك المنابر التي تخبرنا بالسيئ كبداية، والبحث عن منابر أخرى، وأحيانًا أبحث عن أماكن أخرى، كلوحة بيضاء وألوان كثيرة، ككتاب لكاتب صادق، أو أهاتف صديقة تضع أحلامها على الورق للعام القادم، أو دخول مدونة إلكترونية تتذوق الشعر والأغاني، وتكتب عن الأفلام الجميلة، وتغمسك في عالم ممكن وغني بالجمال والعذوبة والألوان، وبعدها أحاول تهيئة نفسي لخلق عالمي الجميل للعالم ذاته، للبشر من حولي، أن أكوِّن حولي نورًا جليًا لأمور جميلة بإمكانها أن تحدث، وتخفف تلك النبرة التي تجتاحنا بين فينة وأخرى، تدعونا للخوف والقلق والحوم حول الأفكار السلبية.

منذ صغري وأنا أحب الكتابة، حيث إني كنت دائمًا أشتري دفترًا صغيرًا يحوي مئة وخمسين صفحة، وأجعله الدفتر الذي يحوي عالمي الصغير من أحلام وصور من الجرائد والمجلات التي تحمل المواضيع التي تهمني، وفي نهايته دائمًا أبدأ بكتابة تفاصيل رواية، ومع مرور السنين لم أنهِ رواية قد بدأتها، ولكن كنت دون أن أدري أدرب ذهني؛ لممارسة هذا الصنف من التوجيه الذاتي في الاندفاع والتدقيق في الأمور الإيجابية وتركها تحوم حولي. لم أعد أحمل تلك الدفاتر الصغيرة الملونة والممتلئة بالكلمات الجميلة والصور، ولكني بدأت في ترويض حواسي على جعلي أنا تلك الدفاتر، وبدأت أحرص أن أكون في كامل وعيي وانتباهي للعالم من حولي، فصار هذا الوعي هو الدفتر الذي يخزن الجمال، ويوثق العيش في اللحظات الجميلة، فمن خلال هذا الوعي الذي أشعر به أنطلق في التعبير عن ذاتي وعن الحياة الممكنة التي أتخيلها، وبت الآن أعيشها، حتى صرت أنا ومن حولي هم الحياة الممكنة لعالم أجمل. فدعونا نحرص أن نزرع بنا وفي أفكارنا الطاقة الإيجابية والحياة التي تضم التفاصيل التي نحب؛ لجعل هذه الرحلة الجميلة ممكنة وغنية، وتعبر عنا وعن آمالنا في الأول والآخر.