منذ زمن لم أضع رأسي على حديد بارد، يسري
في عظامي البرد والسلام، فيسكن الغليان في جمجمتي ولو قليلاً.
أسند جبهتي إلى شباك الضريح، إلى مدفع الدبابة، إلى مواسير الحمَّام، إلى خزانة الأوراق الهامة، إلى سور الجسر، على مسدس الضابط.
لم أعد أفعل ذلك، حتى آخذ في الحنين إلى الذكرى، إلى البحث عن حديد البرد وصلب السلام.
فما دام البرد والسلام لا يهبطان ويسكنان القلب فينشرح الصدر، ويصير النفس عميقًا والصدر دافئًا بوقدة الحب الحنون التي تدفئ ولا تحرق مادام القلب خاليًا من هذا، فلم يبق إلا الرأس يبحث عن هدأة مؤقتة في المعادن التي لا تحتوي على مخ، بل على قوانين علمية باردة.
يتمدد النوم على الأوراق، وتكتب اليد منومة عن أشياء توجعنا: فراق الأحبة، كيف انتهت مباراة الأمس بهزيمة فريقنا المفضل، وكيف جاء اليوم ليسجل علينا هزيمة في العمل أو في الحب أو في نتيجة شجار في الطريق.
يصحو النوم في الأوراق، فتشعر اليد بالغضب، وهي ترسم أشكالاً للعدو الصفيق والعدوة الوقحة، للسيد الحاكم بأمره في العمل أو في المنزل، نرسم وجوهنا حزينة أو غاضبة، نتمرد على الورق ضد واقعنا، نعلن شروطًا لن يهتم بها أحد:
1 لا يجوز أن يستقبلنا أو يقابلنا أحد بوجه غير مبتسم.
2 لا يجوز للابتسامة أن تكون مصطنعة.
3 لا يجوز لقبلة الصديق أن تكون باردة أو مطرقعة أو لعل الأفضل الانقطاع تمامًا عن التقبيل بين الأصدقاء تحسبًا للخنازير التي تسكن البشر.
4 الثرثرة مع زملاء العمل يجب ألا تتعدى عشر دقائق، ثم بعدها يتحول الزميل الثرثار أو الزميلة الثرثارة للشؤون القانونية لإجراء تحقيق عاجل معه بتهمة تدمير الجهاز العصبي لحضرتنا.
5 يجب أن تخلو نشرات الأخبار من منظر الأطفال المحترقين والبيوت المهدمة والنساء اللاطمات خدودهن حزنًا على أبنائهن الذين ذهبوا بلا عودة وهم في أوج الشباب.
6 يجب تبسيط المقررات المدرسية بحيث تخلو من العبارات الإنشائية والمعلومات التاريخية المغلوطة، ويجب إنشاء حمامات سباحة تطل عليها شبابيك الفصول؛ لكي يقفز إليها المسكين الذي خنقته سخافة الدروس، فلا يصيبه مكروه، بل انتعاش.
7 يجب إفساح الطرق العامة للأحلام، وأن تعد محاولات إجهاضها مخالفات يدفع من يحصل عليها ثمنًا غاليًا.
8 يجب عدم السأم من هذه الشروط، أو الملل من هذه المقالة؛ لأنني لا أملك حمام سباحة تحت كل بيت، حتى بيتي.
هذه الشروط نضعها للحياة فلا تجيبنا، تعرج الحياة نحو نهايتها وهي على حالها: أمخاخ تغلي وتتلفت باحثة عن أقرب حديد بارد تسند جباهها إليه دقيقتين، لا نستطيع أن نزيد على ذلك، حتى لا يرانا الآخرون فيهزأون بنا، وأيضا لأننا تنادينا الحياة من خمسمائة جانب لنواصل العدو وتواصل أمخاخنا الغليان.
ربما كانت هذه المقالة صورة معنوية لحديد بارد أسندت إليه رأسي، بينما اليد تكتب منومة عن أشواق البشر وأمانيهم، ربما كنت أستند إليكم باحثًا فيكم عن وجهي، وفي قلبي عن وجوهكم.

Google News