
رحلة العودة في قطار الذكريات إلى المحطات الأولى من حياة المرأة العربية، تمثل المُحال، لأنها تكشف حجب الستر عن الزمان المنقضي من العمر!
التوقف عند المحطات القريبة، يوفر قدرًا من الأمان النفسي، ويُجنبنا ـ نحن النساء الموسومات تحببًا بالأزهار ـ كارثة السقوط من شجرة الأنوثة المتوجة بالشباب، ويكفينا شر مواجهة الاعتراف بالذبول، حتى لو كان ضمنيًّا، من خلال رحلة للذاكرة ضبابية النتائج!
الأنوثة قصيرة الأجل، ومحصورة بين البلوغ والنضج، هكذا غرسوا في تربة وعي المجتمعات العربية، تجذرت الفكرة في الثقافة العربية على مرِّ الأجيال، وحصدت المرأة ثمارها المُرّة، حتى أسلمتها إلى قارعة الخوف، واكتساب مهارة المراوغة والتخفي، كيلا تترك آثارًا تقدم للآخرين معلومات تشير إلى حقيقة العمر الذي ناهز الأسرار الحربية، بالإضافة إلى معاناة الصراع النفسي للثبات وعدم بلوغ سن الخطر التي «تخرج فيها المرأة من الأنوثة وتدخل باب الحمق والحموية»!
الخطر يكمن في بلوغ المرأة سن الأربعين، لكن المثير والمدهش حقًّا، أن سن خروج المرأة من الأنوثة هي السن التي يدخل فيها الرجل أبواب الرجولة، ممتلئًا شبابًا ومتألقًا بالجاذبية والقبول! ومع هذا تظل سهام السخرية التي تصوب عادة إلى صدر خوف المرأة من إعلان عمرها، أشد مضاضة على النفس من طعنات السيف المهند!
هذه السخرية تمثل بندًا من بنود العنف الممارس ضد المرأة، كيف تدفع إنسانًا إلى عمق بئر مظلمة ثم تلومه أو تسخر من وقوعه؟!
رغم كل ما سبق، أجدني مضطرة، لركوب قطار الذكريات، والعودة إلى المحطات الأولى، ليس لأني تحررت من الخوف، أو أني أكثر جرأة، بل لأن كل المحطات المهمة أصبحت موغلة في الماضي.
في المحطة الأولى، لا أرى غير أبي بحضوره الباهي، وطموحه اللا متناهي لطفلة لم تتجاوز سنواتها الخمس، من أجل عينيها طوى صفحة الأمس، وفتح صفحات أخرى جديدة في سجل حياته العملية، مكتوب على صفحاته، شعار «تعليم البنت أهم من الولد» أو أنه إيمان راسخ في صدره، أعلاه على عمله، واستقرار الأسرة في المدينة التي وضعت فيها لَبِنات نشأتها، إلى مدينة تمتد فيها الجذور، وبها مكان ميلاده ونشأته، كان لا يرى في الأفق غير مستقبل ابنته العلمي، محاطًا بحبه وحنانه وعدله في ترسيخ مفهوم المساواة بين البنت والولد!
للطموح الأبوي أثمان باهظة، لا يستطيع تحملها إلا ندرة من الآباء، ممن فردوا أجنحة الحلم بحجم الأفق، بعد أن سكبوا عليها ألوانًا من فيض مشاعرهم الجياشة بالحب والتحنان، وأحاطوها بنور اليقين بالعدالة الإلهية، التي لم تفرِّق بين ذكر وأنثى، وأن «البنت زي الولد مهياش كمالة عدد» كما يقول صلاح جاهين، على لسان سعاد حسني في إحدى حلقات مسلسل «هو وهي».
كان - رحمة الله عليه - حريصًا على تعليمي حتى الآخر، والآخر بالنسبة له دراسة الطب في كلية البنات في الباكستان!
وكل هذا في مجتمع يدين لعادات بالية حرَّمت على النساء تعلم الكتابة، حتى اتسعت الفجوة بين تعليم البنات وتعليم الأولاد، وتعمَّقت، وبلغت أربعة عقود من الزمان، كان يمكن أن تترك آثارها السلبية على المرأة، لولا مبادرات قلة من الآباء، وحرصهم على تعليم بناتهم على حسابهم الخاص، كلٌ حسب قدرته واستطاعته، منهم منْ اتخذ لأسرهم مستقرًا في مصر أو بيروت وسوريا، أو ألحق بناته بالمدارس الداخلية، في ذات الدول سالفة الذكر، ومنهم منْ وجد في مدارس الفتيات ملاذًا آمنًا كأبي، ولجأت بعض الأسر إلى الكتاتيب المنتشرة لتعليم القرآن تلاوة وحفظًا، كي تتعلم أمور دينها دون اقتراف إثم الكتابة! فالإرث الثقافي المناهض لتعليم المرأة، كان ذاخرًا بالمقولات وأبيات الشعر، التي أصبحت وصمة عار في جبين الثقافة العربية.
تعلمت القراءة والكتابة في مدرسة الفتاة الأهلية، أقدم ثاني مدرسة في مكة المكرمة، بلد العلم والعلماء، المدينة التي انبثق منها النور ليعمَّ أرجاء الكون.
عندما مدت النبتة جذورها قليلاً في واحة العلم، بدأ النور يعم أرجاء الوطن، بعدد قليل جدًّا من المدارس، لكن الأفواج الدافقة من طالبات العلم خالفت التوقعات، وأخذ الجهاز التعليمي في اللهاث، كي يستوعب الدفق الإنساني، أو النصف الآخر، الذي أضناه الشوق واللهف للقراءة والكتابة، في تلك المرحلة البكر لم أكن أدرك أن تعليمي سيلقي بي في دائرة التوجس والشك!
هذه محطة مهمة سنتوقف عندها قليلاً العدد القادم بإذن الله!

Google News