أعلم يا أخي، أجج الله توقك، وحقق
لك ما تبغي، وقوّى يقينك، وأعانك على سعيك، اعلم أن رحيقا عذبا بدأ يدب ويسري
عندي، وإني لمحدثك عن حالي قبل نزولي تلك المدن الآسيوية، لكنني مرجئا ذلك الآن،
فلأن الظهور تم واكتمل، عليَّ أن أتابع وأتم حتى أتم اطلاعك، اعلم يا أخي أن يوم
اكتمال ظهورها اقترن بحدث وإن بدا منفصلا، إلا أنه كان متصلا ومساعدا، فقبل نزولنا
تلك المدن الآسيوية، وفي ليلة سفرنا جاءتني ابنة صاحبي، ورجتني أمرا، إذ أخبرتني
أن الغد يوافق عيد ميلاد والدها، وسيكون هو في ناحية، وهي في ناحية، إنها تدرس منذ
سنوات هنا، ولكن ودت أن تحتفي به في زيارته تلك، ولكنّ للظروف حكما وتقديرا، رجتني
أن أنوب عنها في شراء ثلاث زهرات صباح عيد ميلاده، أن أقدمها إليه، قالت لي إنهم
يتفاءلون بالرقم الفردي في تلك البلاد السلافية.
فإذا أهدى أحدهم صاحبا أو حبيبة له زهورا في مناسبة سعيدة، أهداه إما ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا، أما إذا كان الظرف محزنا فإن الزهور تكون زوجية، وهذا عجيب عندي، غريب، قلت لابنة صاحبي ألا تقلق، فهو ليس في موقع الصاحب مني، إن شئت الدقة فهو بمثابة الشيخ، وتلك العلاقة لم تتحول إلى صحبة إلا بعد سنوات طوال، تقلبت فيها الأمور تقلبا عديدا، وكما تعلم يا أخي أن للصحبة عندي منزلة أكيدة، كما أنني أضمر لهذا الرجل محبة وتقديرا، فهو ممن مدوا لي يد العون في وقت الشدة، وهو بخلاف ذلك، ممن ثبتوا في الطريق، ليس ممن مالوا مع الهوى أو حادوا، أسررت الأمر إلى صديقة روسية رافقتنا، وصاحب من الجزائر العربية، وعند خروجنا من محطة قطار مدينة طشقند لمحت منضدة عليها زهور في أصص من خزف، وأخرى ملفوفة في ورق شفاف، عندئذ مددت الخطى، وفي نفس اللحظة صاحباي الروسية والجزائري، كل منا قدّم إلى الرجل ثلاث زهرات، أبدى تأثرا، وتساءل عمن أخبرنا، ثم التفت إليَّ قائلا: إنها ابنتي ولابد، أجبناه بابتسامة، احتضنته مقبلا، وقف بقية القوم يرقبوننا باسمين، وتقدم إليه بعضهم، شاعر من كولومبيا، وروائي من سيام، ورسام إفريقي، عانقوه مهنئين، فكان ذلك أمرا لطيفا، وممن وقف يرقب ما يجري هي، كانت ترقبنا مبتسمة، مرتدية معطفها الرمادي الطويل، لم تغب عني، كان ذلك صباحا في طشقند، ولكن ما إن نزل المساء، حتى حللنا بخارى، وبخارى يا أخي لها رجع عندي قديم، هي من المدن التي ظننتها خارج المتناول؛ لشدة نأيها، وصعوبة الوصول إليها، وانقطاع الظرف المساعد، كما أن اسمها ارتبط بنوع من الأبسطة، أعرفه بمجرد النظر إليه، ذلك أنني أحببته، وأدمت النظر إليه، وصغت كثيرا من اللوحات المبرزة له، ومما قربني منه، توحد ألوانه، فكلها درجات متولدة من أحمر قاني، أما زخارفه فبسيطة، هندسية متقاربة، متباعدة، شأني مع ذاتي، ومع من عرفت، وأحببت، نزلت بخارى فتطلعت إلى سمائها وفراغاتها، كان حضورها مدججا بالماضي، قال مرافقنا إن التوقيت هنا ينقص ساعة، وأربع ساعات عن قاهرتي، كدت أستسلم لما أوشك على الإصغاء إليه، غير أن حضورها دعاني، ولم يكن بوسعي إلا أن ألبي، لم أكن متقبلا ضياع دقيقة يمكن أن يقع فيها عليها بصري، نزلت إلى المطعم، قعدت إلى منضدة رتبت أن تجمعني بصاحبي، وصديقتنا الروسية، وصاحبنا الجزائري، غير أنني لم أدر أن صديقتنا تلك رتبت أمورا لإضفاء البهجة، والاحتفاء بمناسبة عيد ميلاد صاحبي، ولم يتأخروا كثيرا، وكذلك هي، دخلت عبر فراغ القاعة بقامتها، الباسقة، لم تكن ترتدي المعطف الرمادي الطويل والذي يخفي معالم وجودها الحسي تماما، كانت ترتدي قميصا من الصوف، ألوانه ثلاثة: أحمر صريح، وأبيض وأسود. توزعت الألوان الثلاثة في مثلثات متداخلة، كان القميص فضفاضا، يسدل على كتفيها فتلوح التقاسيم من بعد، كذا كان بنطلونها الأخضر، المصنوع من قماش القطيفة المضلع كان يخفف من مظهر جسدها الأنثوي، وإن لم يغب عني حضورها الحسي القوي، وإن لم أقف على شواهده، ولم أمس حتى تخومه، على مرأى مني قعدت، وبجوارها الرجل الهندي، راحت تتابع رقصا يمت إلى ماضي الناحية، كنت أحوم في المكان وأحط عندها إما بنظري أو بحسي، حتى فوجئت بما لم أتوقعه
توقف العازفون لحظات، وعندما استأنفوا فوجئت بلحن موسيقي يمت إلى ربوعي ودياري، وأغنية شائعة تناجي حبيبا باسمه، إلا أنهم بدلوا، فكان اسم صاحبي بدلا من اسم المحبوب، وكان ذلك من ألطف ما مررت به، وفي غمرة الود التفت إلى الناحية، بسطت يدي داعيا، وبدت ابتسامتها عجبا، اعلم يا أخي أنها ابتسامة لم أعهد مثيلا لها، إن جاز الوصف، فهي مقبلة، ابتسامة رحبة، تحددها شفتان واضحتان، مرتويتان وبمجرد ظهورها تضيء واديي وجنتيها، وتشع عيناها، ابتسامتها يا صاحبي فيها قبس من سر تلك الحياة الدنيا، تقدمت منها، أشرعت ودي فلبت،.

Google News