تستمر فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان "حرّاس الذاكرة"، الذي تنظمه وتقيمه جمعية "الحنّونة" للثقافة الشعبية، طوال خمسة أيام متتالية بدءاً من يوم الأحد الأول من شهر نيسان/ إبريل الجاري، وحتى يوم الخميس القادم الخامس من الشهر نفسه، وذلك على خشبات مسرحي "الرئيسي، والدائري" بالمركز الثقافي الملكي، في العاصمة الأردنية عمان.
وضمن فعاليات اليوم الثاني للمهرجان، تم تقديم العرض المسرحي الفلسطيني "رجال في الشمس"، المقتبسة عن رواية الأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني التي تحمل الإسم نفسه، والتي قدمتها فرقة "مسرح المدينة" الفلسطينية، وهي من إعداد وإخراج الفنان سعيد سلامة، وأداء كل من الفنانين "حسين طه، رشا جهشان، نهاد رضا، نضال حجاج، وسعيد سلامة" أيضاً، وضبط حركة المؤدين من قبل الفرنسية "باسكال كوبا"، وموسيقى " أكرم حداد"، أما الإضاءة فكانت من تصميم "نعمة زكنون"، و"إلهام عراف" مساعداً للمخرج.
قصة العمل
وتحكي المسرحية المقتبسة عن عمل كنفاني، حالة المعاناة التي عاشها الشعب الفسطيني جراء الإحتلال الإسرائيلي في بداياته، وكيف تحول أهل الأرض والبلاد إلى لاجئين ونازحين في كل مكان، وكيف أصبحت مخيمات اللجوء الفلسطيني هي منازل هؤلاء الفلسطينيين الذين عانوا من التهجير إبان "النكبة" في العام 1948، ثم تنتقل الأحداث حتى تصل لبدايات السفر إلى دولة الكويت عبر المرور من دولة العراق، للعمل هناك، والتي كانت في تلك الحقبة الزمنية مقصد العديد من الفلسطينيين، للهروب من قسوة الإحتلال واللجوء، وإيجاد مكان يُؤمّنون فيه لقمة عيشهم.
وتستمر أحداث هذه القصة حتى تصل في تركيزها على ثلاثة شخصيات فلسطينية رئيسية هي كل من "أبو قيس، أسعد ومروان"، وهم يحاولون السفر إلى الكويت بطريقة غير شرعية، عبر تهريبهم في خزان ماء بإحدى الشاحنات الكبيرة، بعد أن أقنتعهم شخصية "أبو الخيزران" بفعل ذلك، طالباً منهم البقاء في خزان الماء الحديدي في الشاحنة، خلال اللحظات التي يمرون خلالها من نقاط التفتيش العراقية، وعلى الشخصيات الفلسطينية الثلاث أن تتحمل الدقائق الصعبة للغاية داخل الخزان، حيث درجات الحرارة العالية جداً والهواء القليل.
وتسير الأمور بشكل مخالف لما تم التخطيط له، فبعد المرور من نقطة التفتيش الأولى بسلام، يصادفون جنوداً آخرين في النقطة الثانية، يبدأون بمضايقة "أبو الخيزران" وتأخير مروره، الأمر الذي يأخذ وقتاً طويلاً خلال نقطة التفتيش هذه، حيث كانت الشخصيات الثلاث "أبو قيس، أسعد ومروان"، يعانون من ظروف مميتة داخل الخزان الكبير، وعندما ينتهي "أبو الخيزران" وينطلق بشاحنته، يكون الأوان قد فات، إذ تموت الشخصيات الثلاثة داخل الخزان، بسبب درجات الحرارة العالية وقلة الأوكسجين، وحينها يدخل "أبو الخيزران" بحالة هستيرية، ويقول غسان كنفاني جملته الشهيرة على لسان هذه الشخصية في العمل وهي "لماذا لم يطرقوا جدران الخزان".
العمل المسرحي من الداخل
اعتمد مُعِدُّ العرض ومخرجه سعيد سلامة، على حركية الجسد ولغته في معظم أوقات العمل، حيث كان لهذا الفضاء الحصة الأكبر وتفضيلاً أكثر على الحوارات المسرحية المنطوقة، وتمكن برفقة ضابطة حركة الممثلين الفرنسة "باسكال كوبا"، أن يوصلو الكثير مما يريد إيصاله المؤدون عن طريق الجسد، وكان للرقص التعبيري دوره الأهم في العمل، خاصة في الفترات الأولى من العرض المسرحي، التي اعتمدت في مجملها على الفضاء المسرحي والجسدي في الأداء.
خلال الفترات الأخرى من العمل، اعتمد المخرج على الحوارات المنطوقة إلى جانب الحركات الجسدية الإيمائية التي ذكرناها، حتى يتمكن من الدخول بالحبكة أكثر، وقصة الشخصيات الثلاث الرئيسية بالإضافة إلى شخصية "أبو الخيزران"، وحتى تصل مقولة العمل الأخيرة "لماذا لم يطرقوا جدران الخزان" بالشكل المطلوب، مع الإبقاء على الإشتغال الجسدي الذي بدأه سلامة في أول العمل.
الإخراج وفضاء المسرح
يُحسب لمخرج العمل سعيد سلامة، استغلاله للفضاء المسرحي بشكل جيد، وعلى حالة التخيل للأدوات الغير موجودة بين يدي الممثلين، فكان قادراً على إيصال المشهد كاملاً من خلال حركات وأشياء بسيطة، وما ساعده أكثر هو تعامل المؤدين أنفسهم مع الحالة المسرحية المتخيلة كأنها حقيقية، من خلال حركاتهم التي كانت محسوبة في معظم الوقت، بالإضافة إلى تعدد الشخصيات التي قدمها كل واحد منهم، الأمر الذي خلق ما يشبه الكثافة العددية للمثلين الستة على الخشبة.

Google News