قصه الغلاف / العدد 1968

نادين لبكي: أعيش حالياً مرحلة من القلق والإحباط

ماذا بعد «كفرناحوم»؟!

بيروت | كاتيا دبغي // تصوير | تصوير | جهاد حجيلي

أعرفها منذ سنوات طويلة أيام البدايات الواعدة في إخراج الأغنيات المصورة، وكنت أتلمس في كل لقاء شغفاً غير محدود بالكاميرا وأحلاماً تترقب الوقت المناسب للتحول إلى حقيقة. وكانت الأحلام تتمحور تحت عنوان عريض وأحادي: السينما والفيلم الأول الذي يحمل توقيعها بالكامل. ودخلت نادين لبكي السينما من الباب الواسع من خلال "كاراميل" ثم "وهلأ لوين" لتضرب ضربتها القاضية في فيلمها الأخير"كفرناحوم" وتحصد الجائزة تلو الأخرى مع ترشيح الفيلم لـ"الأوسكار" أخيراً بعد الحصــول على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «كان". كل هذه الأسباب من شأنهــا أن تجعـل نـادين فخـورة وسعيـدة، إلا أنها فور سؤالنا لها عن مشاعرها بعد قطف ثمار النجاح، فاجأتنا بالقول:"بالعكس أنا الآن قلقة ومصابة بالإحباط!" أما السبب، فتتابعونه في المقابلة التالية:.

 

ما هو«كفرناحوم» بالنسبة إلى نادين لبكي: جوائز عالمية، محطة فاصلة من النضوج السينمائي أم رسالة؟

قبل كل شيء «كفرناحوم» هو قضية، لا بل مجموعة قضايا تتحدث عن عمالة الأطفال، الأطفال المكتومي القيد، عمالة الأجانب، زواج القاصرات وغيرها من القضايا التي تتناول حياة عدد كبير من الأطفال نشاهدهم ونلمحهم في الشارع ولا نعرف أين يعيشون وفي ظل أية ظروف مأساوية. هذا الفيلم مرآة لا تعكس كل ما يجري في الواقع، نظراً إلى بشاعته بل بعض من الواقع الأليم الذي يعيشه الأطفال في أحزمة البؤس في لبنان. وشعرت أنه من واجبي أن أنقل هذا الواقع وأحرّك الرأي العام لتصل معاناة هؤلاء الأطفال إلى العالم.

فيلم وُلد من رحم الأوجاع والآلام ولكنه رسم في النهاية حكاية أمل.

هل تعمدت رسم نهاية سعيدة من خلال ابتسامة الطفل زين المكتوم القيد وحصوله على الهوية رغم أن الواقع في هذا المجال يبدو من دون أفق ولا أمال؟

النهاية السعيدة تمت ترجمتها حقيقة بعد الفيلم، إذ وصلت قضية زين إلى الأونروا وقدم عبر المنظمة أوراق اللجوء السياسي إلى النروج. وتم قبول الطلب ليذهب هو وعائلته ويقيموا في

النروج في منزل كبير من طابقين يطل على البحر ويدخل المدرسة. وما حدث مع زين، أتمنى أن يحدث مع باقي الأطفال في الفيلم وهذا ما أسعى إليه وأتمناه.

ما هي أبرز التحديات التي واجهتك في «كفرناحوم» وخلال التصوير؟

استغرق التصوير مدة 6 أشهر، عملنا خلالها ليلاً نهاراً لإنجاز الفيلم وسط ظروف تصوير صعبة للغاية. والتحدي الأكبر هو العمل مع أشخاص لم يمثلوا من قبل وليست لديهم أية خبرة ومعظمهم أطفال. وكنت أسأل نفسي: هل أنا مجنونة؟ كيف أطلب من نفسي أمراً مستحيلاً كهذا ومشاهد صعبة وأنا لا أعمل مع ممثلين محترفين بل مع أشخاص وأطفال معظمهم من الشارع؟ كان لديّ إيمان كبير بأن ما تخيلته سيُنفذ ويصل إلى الناس بواقعية. لقد وضعت نفسي بخدمة الممثلين في «كفرناحوم» وليس العكس. هم لم يمثلوا على الإطلاق بل نقلوا قصصهم الحقيقية ومعاناتهم. كل شخصية تجسد واقعاً وتطرح مشكلة تعيشها في الأصل وتعاني منها، لذلك أتت المشاهد مؤثرة.

 

شعور الأمومة ساعدني

كيف تمكنت من إدارة طفلة عمرها أقل من عامين لتمثل دور بطولة إلى جانب البطل الثاني الطفل زين، فشكلا ثنائية مدهشة؟

شعور الأمومة ساعدني كثيراً. أنا أم ولديّ طفلان قريبان من سن يوناس وزين (بطلا الفيلم الصغيرين). وخبرتي في هذا المجال أفادتني في فهم كل الحالات التي مرت بها الطفلة (في الفيلم ظهرت كطفل) التي لم تتجاوز عامها الثاني. كنا نصورها في كل حالاتها وهي جائعة أو نائمة أو باكية وغيرها من الحالات ونصورها ونقتنص اللقطات والمشاهد.

في غالبية أفلامك تستعينين بأشخاص غير معروفين وتحوليهم إلى أبطال وهذه مغامرة كبيرة. هل فكرت يوماً بتبني أحد أبطال أفلامك لتجعلي منه نجماً دائماً وممثلاً محترفاً؟

في هذا الفيلم تحديداً لم أكن في حاجة إلى ممثلين بل إلى أشخاص حقيقيين والممثل لن يعطيني الإحساس الذي يعيشه أصحاب المعاناة. لذلك تخليت عن الممثلين في هذا الفيلم ولكن في أفلامي السابقة، استعنت بممثلين وبعضهم استمروا بمثابرتهم وجهدهم الشخصيَّيْن.

أيضاً لا يفهم الكثيرون «خلطة» الكتابة الجماعية في أفلامك، إذ تكتبين إلى جانب جهاد حجيلي وغيره، ألا يشتت ذلك النص والفكرة؟

اعتدت على الكتابة بهذه الطريقة مع جهاد منذ أن كنا على مقاعد الجامعة واستمرينا في كل أفلامي وانضمت إلينا في هذا الفيلم ميشال كسرواني. كنا نعاين الواقع على الأرض لأيام، ثم نعود ونكتب معاً.

 

أشعر بالذنب

ما هو مقدار الفرح الذي تشعرين به بعد وصول الفيلم إلى العالمية وتحقيقه الجوائز وهل هذه المرحلة هي الأفضل بالنسبة إليك؟

بالعكس. أنا الآن في مرحلة خواء وقلق وإحباط في حين أن المرحلة الأفضل عشتها أثناء تصوير الفيلم حيث التحديات وترجمة الأفكار إلى واقع والسعي إلى التأثير في الرأي العام. هذه هي المرحلة التي أفضلها. أما الآن وبعد إنجاز الفيلم، لا أنكر أنني سعيدة بالأصداء والنجاحات التي يحققها ولم يزل. ولكن القلق يسيطر عليّ في هذا المرحلة، ربما لأنني أريد أن يحقق الفيلم الغاية منه كاملة وأن يخلق نقاشاً ويُحدث تغييراً في القوانين المجحفة بحق هؤلاء الأطفال وأيضاً العمالة الأجنبية. أشعر في بعض الأحيان بالذنب وأنني لم أقدم أفضل ما عندي.

ما هي أجمل كلمة أو تعليق أو رأي سمعته بعد عرض الفيلم؟

كان ذلك خلال المؤتمر الصحفي الذي عقدناه في مهرجان «كان» بعد العرض الأول عندما بكت رحيل وهي التي قدمت دور العاملة الإثيوبية في الفيلم وقالت: «أنا لم أكن أمثل في هذا الفيلم بل كنت أصور قصة حياتي».

هل توصين الأهل بضرورة أن يشاهد أطفالهم وأولادهم فيلم «كفرناحوم»، أم أنه قاس عليهم بعض الشيء ويحتاج إلى تفسير وشرح؟

من الضروري أن يشاهد الأولاد ولا سيما في مرحلة المراهقة وحتى الأصغر سنّاً بقليل الفيلم لأنه يطلعهم على المشاكل التي يعيشها غيرهم من الأولاد ويخرجهم من القوقعة التي يحرص بعض الأهل على إبقائهم داخلها. إبني أصبح صديقاً لبطل الفيلم زين الذي بدوره أصبح فرداً من العائلة. وقد حرصت على اصطحاب ابني أثناء التصوير كلما تسنى لي ذلك كي يتعرف إلى الحقيقة التي يعيشها عدد كبير من الأطفال في مثل سنه.

/

 

لم أجد نفسي في الفيلم!

دورك في «كفرناحوم» محامية وهو دور صغير جداً. لماذا قررت الانسحاب من حضورك كممثلة رئيسية في الفيلم أسوة بأفلامك السابقة؟

لم أجد نفسي في الفيلم ولم أشأ تجسيد دور لا أعيشه حقيقة، نظراً إلى الواقعية الشديدة التي يتسم بها فيلم «كفرناحوم». أنا لم أعش مأساة أبطال الفيلم الحقيقيين والشيء الوحيد الذي ينطبق عليّ هو دور المحامية الذي أديته بحدود. وقد حذفت الكثير من مشاهدي الأساسية لأنني لم أشأ إقحام نفسي في مساحة ليست لي.

هناك تزاوج لافت بين الموسيقى التصويرية في الفيلم وبين المشاهد. كيف تمكّن زوجك الموسيقي خالد مزنر من تحقيق هذا التلاحم؟

زوجي معي منذ بداية هذا الفيلم وانطلاقه كفكرة ثم في كل مراحل التنفيذ بصفته منتجاً للمرة الأولى لفيلم «كفرناحوم» ومؤلفاً موسيقياً. كانت هناك صعوبة في توثيق كل الحقائق في الفيلم من خلال الموسيقى التصويرية خوفاً من أن تكون هذه الإضافة مفتعلة ولا تنطبق على كل الواقع الموجود في الفيلم.

أجيبيني بصراحة ألم يصبك النجاح بشيء من الغرور؟

لا أتعامل مع النجاح كنتيجة بل أشعر بالمسؤولية وأنتقد نفسي دائماً. من السهل الوصول إلى القمة ولكن البقاء على القمة هو تحد قائم وأنا الآن أعيش أصعب مرحلة في حياتي.

دائماً تسلكين الطرق الوعرة وتعرضين قضايا المجتمع، ولكن هل فكرت يوماً في التحول نحو تحدٍ جديد، فيلم رومانسي أو قصة حب مثلاً؟

غالباً ما تكون أعمالي وأفلامي نتيجة أحاسيس ملحّة تنتابني لصناعة فيلم. أنا لا أخطط لذلك، بل أشعر أنه قد حان الوقت لأقدم فيلماً يعالج قضية هامة تشغل حيزاً كبيراً من تفكيري واهتماماتي.

اليوم الفيلم مرشح لـ«الأوسكار» ماذا يقول لك حدسك أو إحساسك؟

لا أعرف. يبدو ذلك صعباً.

 

محطة سينما

أي نوع من الأفلام يستهويك شخصياً؟

كل فيلم يترك أثراً بعد مشاهدته ويحرّك شيئاً ما بداخلي

ولا أفضل سينما معينة.

آخر فيلم شاهدته؟

لا أذكر حقيقة ولكنني معجبة بمدرسة السينما الإيرانية التي تتناول قضايا اجتماعية.

نجمة سينمائية تعجبك وتتابعين أعمالها؟

ميريل ستريب وقد التقيتها عدة مرات هي ممثلة وإنسانة رائعة.

أصعب «كاستينغ» بالنسبة إليك؟

«كفرناحوم» بالتأكيد.

 

قصة كفرناحوم : تدور أحداث فيلم الدراما الواقعية «كفرناحوم» في أحياء بيروت الفقيرة، وتحكي عن حياة زين؛ وهو طفل يبلغ من العمر 12 عاماً، يحاول دون جدوى منع تزويج شقيقته القاصر ويواجه والديه للحؤول دون تزويجها. يبدأ الفيلم وينتهي بمشهد في قاعة محكمة، حيث يقاضي زين والديه اللذين أنجبا عدداً كبيراً من الأطفال؛ لأنهما جاءا به إلى الحياة، وذلك في حبكة وحيدة ابتكرها صنّاع الفيلم الذين التزموا بنقل حقائق شهدتها مخرجته وعاشها الكثيرون من أفراد طاقم التمثيل.

X