mena-gmtdmp

التمويل الإسلامي هو الحل للأزمة المالية

من يتابع أسواق المال ويشاهد ما يحصل فيها فلا بد وأن يلاحظ أنّ البنوك التقليدية تقوم بمعالجة خسائرها التي بلغت أرقاما فادحة في الفترة الماضية، بينما تظل البنوك الإسلامية غير متضررة فعلياً، وبذلك تكون الأزمة العالمية الحالية قد أتاحت للتمويل الإسلامي الفرصة ليظهر للعالم ما يستطيع فعله، وكما يتوقع الخبراء بأن يقود الضرر الذي أوقعته الأزمة العالمية على المستثمرين إلى اختيار قواعد أكثر صرامة وتشدداً، فكثير من هؤلاء الخبراء ينظرون للتمويل الإسلامي بأنه الحل الأمثل للأزمة المالية.

 


يرجع ذلك ببساطة كما يقول المستشار الاستثماري (عبد الله الشهري) إلى أنّ العوامل التي ساهمت في الأزمة المالية محرمة تحريماً صريحاً في التمويل الإسلامي، وخير مثال على ذلك مسألة المشاركة في تحمل المخاطر في التمويل الإسلامي، فكان من الممكن أن تكون البنوك التجارية أكثر حذراً عند اختيار الصفقات التي تمولها إذا كانت مطالبة بمشاركة الأرباح والخسائر مع عملائها، حيث إنّ العوائد المالية للبنوك ترتبط ارتباطاً مباشراً بأداء المشروعات التي تمولها، ومن هنا ظهرت محاسن وميزات المنهج الإسلامي المالي ليس فقط في التفوق على النظام المالي التقليدي فحسب، بل ليقوم بإصلاح ما أفسدته هذه الأنظمة وتقويم الأمور، وبالنهاية فلا يصح إلا الصحيح.

فالمنهج الإسلامي لمعالجة الأزمات في سوق الأوراق المالية يقوم على مجموعة من الأسس (المبادئ) المستنبطة من فقه المعاملات بصفة عامة وفقه التعامل في الأسواق بصفة خاصة, وتمثل القانون المالي الإسلامي الذي يضبط المعاملات في تلك الأسواق ويقلل المخاطر ويجعل التعاملات أكثر أمنا.

 

سبيل العلاج

أما عن أهم سبل العلاج للأزمة المالية فتتمثل فيما يلي:

1. الالتزام بالقيم الإسلامية في كل الأمور ومنها المعاملات في الأسواق، وكلما كان الالتزام بالقيم ضعيفاً كلما كانت هناك فرص لحدوث الأزمات في المعاملات في الأسواق، وتمثل هذه القيم الوقاية من حدوث الاحتكارات والتدليس والكذب والمقامرة والتعامل بالربا والإسراف والتبذير، والتي تقوم على عدة قيم نذكر منها:

< القيم الإيمانية: ومنها استشعار الخوف من الله والمحاسبة الأخروية.

< القيم الأخلاقية: ومنها الصدق, والأمانة, والإخلاص, والعفو, والتسامح, والوسطية, والوفاء.

< القيم السلوكية: ومنها التعاون, والتضامن, والأخوة, والاستقامة, والحلم, والأناة والرفق.

2. تجنب المعاملات الربوية سواء كانت في مجال الديون (ربا النسيئة), أو في مجال البيوع (ربا البيوع)، ومن المنظور الإسلامي تعتبر هذه الأزمات المالية التي حدثت من أنواع المحق الذي أشار الله إليه في القرآن الكريم: «يمحق الله الربا ويربى الصدقات».

 

بيوع محرمة

3. تجنب البيوع غير المشروعة، ومنها ما يتم فعلاً في سوق الأوراق المالية مثل:

< بيع الغرر.

< بيع العينة.

< بيع ما ليس عندك.

< بيعتان في بيعة واحدة.

< بيع الحاضر للباد.

< بيع الوفاء.

حيث يؤكد (الشهري) أنّ من بين أسباب الأزمات في أسواق الأوراق المالية أنّ معظم المعاملات الآجلة تتضمن بيوعاً محرمة في الإسلام وتدخل ضمن البيوع غير المشروعة السابقة.

4. تطهير المعاملات من الاحتكار سواء كان احتكار كبار المتعاملين أو احتكار المؤسسات المالية والنقدية العاملة في تلك الأسواق، أو احتكار الدولة، ويجب أن تكون هناك منافسة حقيقية لا يشوبها غرر أو جهالة أو تدليس أو مقامرة أو مضاربة, أو أي صورة من صور أكل أموال الناس بالباطل.

 

تضييق المنافسة

ومن مساوئ الاحتكار وأخطاره الجسيمة أنه يضيق المنافسة ويقضي على صغار المتعاملين, ويؤدي إلى تركيز الثروة في يد فئة قليلة من المتعاملين تكون قادرة على السيطرة على المعاملات في الأسواق، ولقد تضمنت الشريعة الإسلامية القواعد والأحكام التي تعالج الاحتكار ومنها تحريم البيوع السابق ذكرها.

5. ضبط وترشيد الاستثمارات نحو المشروعات الضرورية والتي يحتاج إليها الناس جميعاً وفيها منافع لحفظ الدين والعقل والنفس والعرض والمال، وتجنب توجيه الأموال نحو الإسراف والتبذير، وعدم إنفاق أي مال لا يقابله عائد مشروع، ولا يخفى على أحد أنّ من أسباب الأزمة في أسواق الأوراق المالية الاتجاه نحو البذخ والسرف والسفه.

وأخيراً يعلق ( الشهري): أنه ومن كل ما سبق ذكره فلا بد أن يتضح لأي عاقل أنّ ما حدث من أزمة مالية عالمية ما هي إلا بسبب البعد عن النظام والمنهج الإسلامي الذي أقره الله سبحانه وتعالى وطبقه نبيه _عليه أفضل الصلوات والسلام_ حيث تشير كل سلسلة الأحداث السوقية إلى أنّ تحريف النظام الإسلامي المالي هو ببساطة السبب في حدوث النكسة، وأنّ العلاج فعلاً هو العودة لاتباع وتطبيق النظام الرباني الذي لم ولن نجد نظاماً يعادله قوة وعدلاً، أو أن نستطيع وضع أفضل وأكثر من تلك القوانين لضمان الأمان سواء في التعاملات المادية وحتى غير المادية، وهذا بالفعل ما بدأت تتوجه إليه بعض الأنظمة والبنوك العالمية لضمان إنقاذ أسواقها واقتصادها والنجاة بها من الأزمة المالية.