مع إسدال الستار على مباريات الجولة الثانية من دَور المجموعات في كأس العالم 2026، بدأت البطولة التاريخية الأولى بمشاركة 48 منتخباً، تكشف عن ملامحها الحقيقية. لم تعُد الحسابات بسيطة كما اعتاد جمهور الكرة في النُسخ السابقة؛ فالنظام الجديد، الذي يضم 12 مجموعة من أربعة منتخبات، لا يكتفي بتأهُّل المتصدر والوصيف من كل مجموعة؛ بل يمنح بطاقة صعود إضافية لأفضل ثمانية منتخبات تحتل المركز الثالث.
هذا النظام فتح الباب أمام الأمل لمنتخبات كثيرة، لكنه في الوقت نفسه جعل الجولة الثالثة أكثر قسوة وتعقيداً. فالمنتخب الذي كان سيودّع البطولة مبكراً في النظام القديم، قد يجد نفسه الآن متمسكاً بفرصة العبور عبْر بوابة "أفضل الثوالث"، بينما قد يكتشف منتخب آخر أن خسارة كبيرة واحدة، جعلت مصيره شبه مستحيل؛ حتى ولو بقيت له مباراة أخيرة.
حتى الآن، وبعد انتهاء الجولة الثانية، حجزت 7 منتخبات مقاعدها رسمياً في دَور الـ32، بينما ودّعت 5 منتخبات البطولة رسمياً، في انتظار جولة ثالثة يُنتظر أن تكون الأشد إثارة في هذه النسخة.
نظام جديد: لماذا تغيرت حسابات التأهُّل؟
في كأس العالم 2026، يتأهل أول وثاني كل مجموعة مباشرة إلى دَور الـ32؛ ليضمن 24 منتخباً مقاعدهم في الأدوار الإقصائية. بعد ذلك، يتم اختيار أفضل 8 منتخبات من أصحاب المركز الثالث، وفق معايير تبدأ بالنقاط، ثم فارق الأهداف، ثم عدد الأهداف المسجلة، ثم معايير اللعب النظيف، وصولاً إلى التصنيف أو القرعة إذا تطلّب الأمر.
هذه التفاصيل الحسابية جعلت البطولة لا تنتهي مبكراً بالنسبة لكثير من المنتخبات. فحتى المنتخب الذي يملك نقطة واحدة بعد جولتين، قد يجد لنفسه فرصة إذا فاز في الجولة الأخيرة ورفع رصيده إلى 4 نقاط. أما المنتخبات التي بلا نقاط؛ فبعضها لايزال يتمسك بأمل نظري ضعيف. بينما ودّعت منتخبات أخرى رسمياً بسبب نتائج مجموعاتها وتداخُل الحسابات.
الأهم هنا أن كلمة "رسمياً" يجب أن تُستخدم بحذر شديد. فليس كل منتخب وضعُه صعب، أصبح خارج البطولة، وليس كل منتخب يملك 6 نقاط، تأهل بالضرورة كقاعدة عامة في كل السيناريوهات الرياضية. التأهل الرسمي يرتبط بنتائج المجموعة كاملة، وليس بعدد النقاط وحده.
المتأهلون رسمياً إلى دور الـ32
المكسيك: صاحب الأرض يفتح الطريق أولاً

كان منتخب المكسيك من أوائل المنتخبات التي حسمت تأهلها رسمياً إلى دور الـ32. المنتخب المضيف حقق انطلاقة قوية في المجموعة الأولى، بدأها بالفوز على جنوب أفريقيا، ثم دعمها بانتصار مهم على كوريا الجنوبية بهدف نظيف.
المكسيك لم تكتفِ فقط بالتأهل؛ بل ضمنت صدارة المجموعة الأولى؛ لتمنح جماهيرها بداية مثالية في بطولة تُقام على أرضها ووسْط ضغط جماهيري ضخم. ما يميز المنتخب المكسيكي حتى الآن ليس فقط النتائج؛ بل الصلابة الدفاعية والقدرة على إدارة المباريات بهدوء. وهي عناصر تصبح حاسمة كلما تقدمت البطولة نحو الأدوار الإقصائية.
الولايات المتحدة: المضيف الثاني يعلن نفسه مبكراً

الولايات المتحدة بدورها حجزت مقعدها رسمياً في دور الـ32، بعدما جمعت 6 نقاط من أول جولتين في المجموعة الرابعة. الفوز الكبير على باراغواي في الافتتاح، ثم الانتصار على أستراليا، منحا المنتخب الأمريكي بطاقة العبور وصدارة المجموعة.
المنتخب الأمريكي يبدو أكثر نضجاً عما كان عليه في نُسخ سابقة. الفريق يلعب بطاقة عالية، ويملك قدرة واضحة على التحول السريع من الدفاع للهجوم؛ مستفيداً من عامل الأرض والجمهور. ومع ضمان الصدارة، سيدخل الأمريكيون الجولة الثالثة بأريحية نسبية، لكن مع تحدٍ آخر: الحفاظ على النسق قبل بداية الأدوار الإقصائية.
ألمانيا: عودة الماكينات بصوت عالٍ

ألمانيا كانت من أكثر المنتخبات لفتاً للأنظار في أول جولتين. بعد سنوات من الإحباط المونديالي والخروج المبكر، دخل المنتخب الألماني نسخة 2026 برُوح مختلفة تماماً. البداية الساحقة أمام كوراساو بسباعية، ثم الفوز الصعب على كوت ديفوار، كانا كافيين لحسم التأهل وصدارة المجموعة الخامسة.
الألمان قدّموا حتى الآن واحدة من أقوى البدايات الهجومية في البطولة. لكن اللافت أن التأهل لم يأتِ فقط من كثرة الأهداف؛ بل من شخصية الفريق في اللحظات الصعبة؛ خاصة بعدما احتاج إلى فوز متأخر أمام كوت ديفوار. هذه النوعية من المباريات هي التي تكشف إن كان المنتخب قادراً على الذهاب بعيداً، أم أنه يملك بداية لامعة فقط.
الأرجنتين: حامل اللقب لا يرتبك

الأرجنتين، بطلة العالم، تعاملت مع أول جولتين بثقة حامل اللقب لا بعصبيته. الفوز على الجزائر في المباراة الأولى، ثم الانتصار على النمسا، ضمِنا للتانغو بطاقة التأهل إلى دور الـ32؛ بل وصدارة المجموعة العاشرة أيضاً.
الأرجنتين تبدو حتى الآن كمنتخب يعرف ماذا يريد. لا تلعب فقط من أجل الاستعراض؛ بل من أجل التحكم في النسق، قتل المساحات، واستغلال اللحظات الحاسمة. في البطولات الطويلة، هذه البراغماتية قد تكون أهم من الانتصارات العريضة. حامل اللقب يعرف أن الطريق إلى النهائي لا يبدأ بالضجيج؛ بل بإدارة ذكية للمجهود والضغط.
فرنسا: قوة مرشحة لا تحتاج إلى مقدمات

فرنسا أكدت مبكراً أنها واحدة من أبرز المرشحين للقب. الفوز على السنغال في الجولة الأولى، ثم الانتصار بثلاثية على العراق، منحا الديوك بطاقة التأهل من المجموعة التاسعة.
المنتخب الفرنسي يملك مزيجاً خطيراً من الخبرة والسرعة والجودة الفردية. وحتى الآن، يبدو الفريق قادراً على التعامل مع أنواع مختلفة من المباريات: مباراة مفتوحة أمام السنغال، وأخرى أكثر وضوحاً في السيطرة أمام العراق. التأهل تحقق، لكن صدارة المجموعة لم تُحسم بعدُ؛ لأن النرويج تشارك فرنسا الرصيد نفسه؛ مما يجعل مواجهة الجولة الثالثة بينهما أشبه بنهائي صغير على زعامة المجموعة.
النرويج: عودة بعد غياب ورسالة قوية للعالم

النرويج واحدة من أجمل قصص البطولة حتى الآن. المنتخب العائد إلى كأس العالم بعد غياب طويل لم يأتِ للمشاركة الشرفية؛ بل بدأ بفوز كبير على العراق، ثم حسم تأهله بفوز مثير على السنغال بنتيجة 3-2.
هذا التأهل يمنح النرويج دفعة تاريخية ومعنوية هائلة. الفريق يملك قوة هجومية واضحة، ولا يخشى اللعب بإيقاع مرتفع أمام منتخبات بدنية وسريعة. لكن الاختبار الأكبر سيكون أمام فرنسا في الجولة الثالثة؛ حيث ستتحدد ملامح الصدارة، وربما شكل الطريق في دور الـ32.
كولومبيا: هدف مونيوث يفتح الباب

انضم منتخب كولومبيا إلى قائمة المتأهلين رسمياً، بعدما حقق فوزه الثاني في المجموعة الحادية عشرة. هذه المرة على حساب الكونغو الديمقراطية بهدف من دون رد، سجله دانيال مونيوث في الدقيقة 76.
الفوز لم يكن سهلاً، لكنه كان كافياً ليؤكد أن كولومبيا تملك شخصية الفريق القادر على الفوز؛ حتى عندما لا تكون المباراة مفتوحة. الكولومبيون بدأوا البطولة بالفوز على أوزبكستان، ثم تجاوزوا الكونغو الديمقراطية؛ ليصلوا إلى 6 نقاط ويضمنوا العبور قبل مواجهة البرتغال في الجولة الثالثة.
المودعون رسمياً من كأس العالم 2026
هايتي: أول المغادرين

منتخب هايتي كان أول من ودّع البطولة رسمياً، بعد خسارته أمام أسكتلندا في الجولة الأولى، ثم سقوطه أمام البرازيل بثلاثية نظيفة. العودة إلى كأس العالم بعد غياب طويل كانت لحظة مهمة تاريخياً، لكنها لم تترجم إلى نتائج داخل الملعب.
هايتي دفع ثمن الفوارق الفنية والبدنية، ووجد نفسه خارج السباق قبل الجولة الأخيرة. ومع ذلك، تبقى مشاركته حدثاً مهماً في تاريخ كرة القدم الهايتية؛ حتى ولو انتهى المشوار سريعاً.
تركيا: عودة مخيّبة بعد انتظار طويل
تركيا دخلت البطولة بطموحات كبيرة؛ خاصة أنها عادت إلى كأس العالم بعد غياب طويل. لكن الخسارة أمام أستراليا في الجولة الأولى، ثم الهزيمة أمام باراغواي، أنهتا حُلمها مبكراً.
الخروج التركي كان من أبرز مفاجآت الدور الأول حتى الآن، ليس لأن المنتخب كان مرشحاً للذهاب بعيداً فقط؛ بل لأن الانهيار جاء سريعاً جداً. في نظام يمنح فرصاً إضافية لأصحاب المركز الثالث. أن تودع بعد جولتين، يعني أن نتائج المجموعة لم تترك لك حتى باب الحسابات.
تونس: بداية قاسية ونهاية مبكرة

تونس ودّعت البطولة رسمياً بعد خسارتين ثقيلتين أمام السويد واليابان. البداية أمام السويد بنتيجة 5-1 كانت صادمة، ثم جاءت الخسارة أمام اليابان برباعية لتؤكد نهاية المشوار.
المنتخب التونسي لم يعانِ فقط من النتائج؛ بل من فارق أهداف كبير جعله خارج المنافسة مبكراً. وتبقى الحسرة الكبرى، أن تونس، صاحبة التاريخ المعروف في المشاركات المونديالية، مازالت غير قادرة على كسر عقدة الدور الأول، رغم تغيّر النظام وزيادة عدد المتأهلين.
الأردن: مشاركة تاريخية تنتهي مبكراً
مشاركة تاريخية للأردن ولكن انتهت مبكراً (مصدر الصورة: Photo by STU FORSTER : GETTY IMAGES NORTH AMERICA : GETTY IMAGES VIA AFP)

الأردن، أحد المنتخبات التي ظهرت للمرة الأولى في كأس العالم، ودّع البطولة رسمياً بعد خسارتين أمام النمسا والجزائر. ورغم أن المنتخب الأردني حاول الظهور بصورة منظمة؛ خصوصاً في مواجهة الجزائر؛ فإن التفاصيل الصغيرة حسمت مصيره.
الخروج لا يمحو القيمة التاريخية للمشاركة. بالنسبة للأردن، الوصول إلى كأس العالم في حد ذاته محطةٌ فارقة، لكن البطولة كشفت أيضاً الفارق بين الحُلم الجميل ومتطلبات المنافسة في أعلى مستوى كُروي في العالم.
بنما: خسارتان كافيتان لإنهاء الحُلم
بنما أصبحت خامس منتخب يودّع كأس العالم 2026 رسمياً، بعد خسارتها أمام غانا ثم أمام كرواتيا. المنتخب البنمي لم يكن بعيداً في النتيجتين، لكنه فشل في جمع أيّة نقطة، وفي نظام شديد التشابك، كانت الهزيمتان كافيتين لإنهاء آماله قبل الجولة الأخيرة.
بنما ستلعب مباراتها الأخيرة من دون فرصة في التأهل، لكنها قد تتحول إلى خصم مزعج لمن يبحث عن الصدارة أو تحسين موقعه في المجموعة.
العرب بين التأهل القريب والوداع المؤلم
المشهد العربي بعد الجولة الثانية متباين بشدة. مصر والمغرب يملكان أفضل وضع بين المنتخبات العربية؛ إذ يتصدر المنتخب المصري مجموعته بأربع نقاط، بينما يشارك المغرب البرازيل صدارة المجموعة الثالثة بالرصيد نفسه. كلاهما يملك فرصة قوية للعبور، لكن الحسم لم يصبح رسمياً بعد.
الجزائر استعادت آمالها بعد الفوز على الأردن، لكنها ستحتاج إلى نتيجة كبيرة أو مناسبة في الجولة الأخيرة أمام النمسا، بحسب حسابات المجموعة. السعودية وقطر في موقف أكثر تعقيداً، وكلٌّ منهما يحتاج إلى الفوز وانتظار نتائج أخرى. أما تونس والأردن فقد ودّعا البطولة رسمياً، بينما يبقى العراق في موقف بالغ الصعوبة، لكنه لا يصنف ضمن المودّعين رسمياً حتى الآن.
الجولة الثالثة: مباريات مصيرية
مع تأهل المكسيك والولايات المتحدة وألمانيا والأرجنتين وفرنسا والنرويج وكولومبيا، ووداع هايتي وتركيا وتونس والأردن وبنما، تبقى غالبية مقاعد دور الـ32 مفتوحة على كل الاحتمالات.
الجولة الثالثة لن تكون مجرد جولة ختامية؛ بل ستكون جولة حسابات معقدة. هناك منتخبات ستقاتل على الصدارة، وأخرى على مركز الوصيف، وثالثة على فارق هدف قد يمنحها مكاناً بين أفضل الثوالث. في نسخة موسعة بهذا الشكل، لا يكفي أن تكون جيداً، يجب أن تكون دقيقاً في كل تفصيلة.
كل هدف سيسجل في الجولة الأخيرة، قد يغير مصير منتخب. وكل هدف يدخل الشِباك قد يحوّل حُلم التأهل إلى وداع مؤلم. وربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم في مونديال 2026 حتى الآن: البطولة أصبحت أكبر، نعم، لكنها لم تصبح أسهل. على العكس، كثرة المقاعد فتحت أبواب الأمل، لكنها جعلت الحسابات أكثر وحشية، ومَن لا يحسم مصيره بقدميه، سيجد نفسه أسيراً لآلة الأرقام.
تابعوا المزيد من سيدتي الرياضية: في يوم الأب 2026: أبرز لاعبي كرة القدم الآباء وفلسفتهم في التربية

Google News