mena-gmtdmp

في وداع مايكل سابا.. الأمير سلطان بن سلمان يستعيد فصلاً من تاريخ الطيران السعودي

الأمير سلطان بن سلمان والدكتور الراحل مايكل سابا في جلسة "هانجر توكس" بمعرض ساند أند فن 2024
الأمير سلطان بن سلمان والدكتور الراحل مايكل سابا في جلسة "هانجر توكس" بمعرض ساند أند فن 2024

ارتبط اسم الدكتور مايكل سابا بفصلٍ مهم من تاريخ الطيران السعودي؛ إذ عمل مع الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز، المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين، مؤسس ورئيس مجلس أمناء مؤسسة التراث غير الربحية، على توثيق حكاية طائرة الملك عبدالعزيز وقائد طائرته، في عملٍ جمع الرواية الشخصية بالصورة والوثيقة.
وفي 28 يوليو 2026، رحل الدكتور مايكل سابا، بعد مسيرةٍ تنوّعت بين الكتابة والتعليم والعمل الإنساني والخدمة العامة. وفي وداع صديقه، استعاد الأمير سلطان بن سلمان سنوات الصداقة والعمل المشترك، قائلًا: عرفت صديقي الدكتور مايكل سابا وفيًّا صادقَ الودّ. جمعتنا صداقة امتدّت سنوات، رسختها محبته للمملكة وشغفه بتاريخها. وقد وثقنا معًا جانبًا مهمًّا من تاريخ الطيران السعودي، وذلك في كتاب The Gifts of History: The Story of King Abdulaziz and His Pilot، الذي صدر عن مؤسسة التراث غير الربحية باللغة الإنجليزية، ورافقه فيلمٌ وثائقي، ثم صدر باللغة العربية. رحل الدكتور سابا، وبقيت ذكراه في أعمالٍ لا تُنسى.

الأمير سلطان بن سلمان والدكتور الراحل مايكل سابا في جلسة "هانجر توكس" بمعرض ساند أند فن 2024
الأمير سلطان بن سلمان والدكتور الراحل مايكل سابا في جلسة "هانجر توكس" بمعرض ساند أند فن 2024

الطائرة التي سبقت المطارات

تعود الحكاية التي وثّقها الأمير سلطان بن سلمان والدكتور مايكل سابا إلى 14 فبراير 1945، حين التقى الملك عبدالعزيز، طيّب الله ثراه، الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن البارجة الحربية الأمريكية «يو إس إس كوينسي»، في لقاءٍ تاريخي أسهم في رسم مسار العلاقات بين المملكة والولايات المتحدة. وكان من ثمار ذلك اللقاء أن أهدى الرئيس روزفلت الملك عبدالعزيز طائرةً من طراز «دوغلاس دي سي 3»، قادها إلى المملكة الكابتن الأمريكي جو غرانت. ووصلت الطائرة إلى بلدٍ لم تكن قد اكتملت فيه آنذاك شبكة المطارات والمدارج ووسائل الملاحة الجوية، فمثّلت محطةً مبكرة في مسيرة الطيران المدني، ووسيلةً جديدة لربط أرجاء المملكة ودعم نهضتها.

لقاء الملك عبدالعزيز وفرانكلين روزفلت على ظهر البارجة الأمريكية كوينسي عام 1945
لقاء الملك عبدالعزيز وفرانكلين روزفلت على ظهر البارجة الأمريكية كوينسي عام 1945

من الذاكرة إلى التوثيق

بعد عقودٍ من تلك الرحلة، بقي كثيرٌ من تفاصيلها محفوظًا في ذاكرة قائد الطائرة. ومن هنا بدأت خطوة التوثيق الأهم؛ إذ وصل سابا إلى الكابتن جو غرانت، وسجّل شهادته المباشرة، وجمع ما احتفظ به من صورٍ نادرة التقطها خلال إقامته في المملكة. وشكّلت تلك الشهادة والصور الأساس الوثائقي الذي بُني عليه المشروع. وفي عام 2006، عاد غرانت إلى الرياض وهو في الثامنة والتسعين من عمره، ليرى الطائرة التي قادها قبل أكثر من ستة عقود، وقد رُمّمت وحُفظت في متحف صقر الجزيرة للطيران. وحين وقف أمامها، غلبه التأثر؛ فقد استعاد في لحظةٍ واحدة رحلةً بعيدة ومرحلةً كاملة من بدايات الطيران السعودي.

الأمير سلطان بن سلمان يقدم نموذجاً للطائرة DC-3 للكابتن جو جرانت، نخل العذيبات بالدرعية في الرياض 2009
   

كتابٌ وثلاث محطات في مسيرة التوثيق

من شهادة غرانت وصوره بدأ مسار الكتاب؛ كانت محطته الأولى عام 2009، بإطلاق النسخة الأولى بعنوان King Abdulaziz His Plane and His Pilot، خلال معرض أوشكوش للطيران («EAA AirVenture Oshkosh») في ولاية ويسكونسن. وهناك عاد غرانت، وقد بلغ آنذاك 101 عامًا، إلى مقعد قيادة طائرة من طراز «دي سي 3»، وعلى متنها الأمير سلطان بن سلمان وهال ديلانو روزفلت؛ ليجتمع حفيدا الرجلين اللذين بدأت بهما القصة مع الطيّار الذي حمل الطائرة إلى المملكة. وجاءت المحطة الثانية عام 2016، حين تبنّت مؤسسة التراث غير الربحية المشروع، وأصدرت نسخته الإنجليزية المطوّرة بعنوان The Gifts of History: The Story of King Abdulaziz and His Pilot، من إعداد الأمير سلطان بن سلمان والدكتور مايكل سابا، ورافقها فيلمٌ وثائقي.
أما المحطة الثالثة، فجاءت عام 2024 بصدور النسخة العربية المنقحة والموسعة بعنوان «طائرة من التاريخ: الملك عبدالعزيز وقائد طائرته». وأُطلقت خلال معرض «ساند آند فن 2024» في الرياض، وكانت آخر مناسبة جمعت الأمير سلطان بن سلمان بصديقه مايكل سابا.

معرض ساند أند فن 2024
   

وهكذا تجاوز العمل الذي جمع الأمير سلطان بن سلمان ومايكل سابا حدود الكتاب والفيلم؛ فحفظ شهادة أحد شهود البدايات، وجعل حكاية طائرة الملك عبدالعزيز جزءًا حيًّا من ذاكرة الطيران السعودي، ويبقى ما أنجزاه معًا إرثًا وثائقيًّا يتجاوز حكاية طائرة أو رحلة طيّار؛ فهو يحفظ ذاكرة البدايات، ويؤكد أنّ توثيق ذاكرة الوطن لا يبدأ من الأرشيف وحده، بل من الإصغاء إلى من عاش التاريخ، ثم صون شهادته للأجيال.

يُمكنكم متابعة آخر الأخبار عبر حساب سيدتي على منصة إكس