يبدو أن مرحلة الانبهار المطلق بالتكنولوجيا قد ولّت؛ لنعود اليوم إلى أصل الحكاية، ومركز التفكير، ومنطلق الإبداع: "الإنسان". وهذا ما قامت عليه النسخة الثالثة من "قمة الإبداع" التي يستضيفها حي جاكس في الرياض على مدار ثلاثة أيام، وتقام هذا العام تحت شعار: "وراء كل ذكاء.. إنسان"؛ تأكيداً على أن الدور الأبرز والأهم في مختلف العمليات الإبداعية، يظل للبصمة البشرية التي لا يمكن لأيّ شيء أن يحل محلها.
نخبة من قادة الصناعات الإبداعية والخبراء

تجمع النسخة الثالثة من "قمة الإبداع 2026" على مدار ثلاثة أيام، نخبة من قادة الصناعات الإبداعية والخبراء لمناقشة مستقبل القطاع، والتسويق، والاستدامة، ودور الذكاء الاصطناعي. وتزخر هذه النسخة ببرنامج ثريّ من الجلسات الحوارية والتجارِب والأنشطة التفاعلية.

بدأ اليوم الأول بكلمة ترحيبية لمي سلامة، الشريك المؤسس في قمة الإبداع، تلتها مشاركة خاصة لصانعة المحتوى ومقدمة البودكاست رتيل الشهري، توجهت فيها للجيل الجديد لتحثهم على التمسك بأحلامهم وطموحاتهم. بعدها كانت مجموعة من الجلسات الحوارية المتنوّعة منها: جلسة بعنوان "للمستقبل ذاكرة: كيف يتحول التراث إلى مورد إبداعي" استضافت المستشارة في التراث الثقافي، إبتسام عبدالعزيز، وحاورت فيها مي سلامة. وجلسة بعنوان "ما تصير إلا هنا: السينما والهوية" استضافت الممثل والمخرج والكاتب علي كلثمي، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي الإبداعي لمشروع "تلفاز 11"، حاوره الصحفي والناقد السينمائي أحمد العياد، مؤسس ورئيس تحرير موقع "فاصلة".

من جلسات اليوم الأول أيضاً، كانت جلسة بعنوان "أين تتشكل الفرص القادمة في الذكاء الاصطناعي"؟ استضافت د. خلود المانع، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة HKB Tech، حاورتها رولا العثمان مديرة تطوير الأعمال في Nurum. وجلسة بعنوان "إلى أين يتجه المال؟ اقتصاد النمو الإبداعي" استضافت أمل دخان، الشريك الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 500 GLOBAL. وجلسة بعنوان "من النمو إلى الاستدامة: مستقبل الإعلام السعودي" استضافت المهندسة إسراء منصور عسيري، وكيل الوزارة لتطوير قطاع الإعلام- وزارة الإعلام السعودية، حاورتها نعمات خليل الشريك المؤسس في قمة الإبداع، إلى جانب مناقشة قيمة التصميم، والمواهب السعودية، وبناء الوجهات الثقافية بمشاركة قيادات من مؤسسة بينالي الدرعية ومؤسسة حديقة الملك سلمان وجهات ثقافية وإبداعية ملهمة.

أما اليوم الثاني؛ فخصص لمناقشة واستعراض الفرص القادمة في ظل طفرة الذكاء الاصطناعي. فيما يركّز اليوم الثالث على مستقبل صناعة الأفلام، والتصنيع بالذكاء الاصطناعي في المملكة العربية السعودية.
تحية للإنسان.. للذكاء الحقيقي

في حديث خاص لـ«سيّدتي» حول مسيرة قمة الإبداع، قالت مي سلامة، رائدة الأعمال والشريك المؤسس في قمة الإبداع: "بدأنا في عام 2014 من خلال مؤتمر صغير لدعم الاقتصاد الإبداعي، والحمد لله أصبحنا اليوم منظومة كاملة تجمع الاقتصاد الإبداعي كله في الشرق الأوسط، وليس فقط الصناعات الإبداعية. ركّزنا في البداية على مجالات التسويق والإعلانات والمخرجين. واليوم كما تشاهدون؛ فإن شعارنا هو (وراء كل ذكاء إنسان)".
أما عن نسخ الرياض تحديداً؛ فقالت: "لقد بدأنا في الرياض منذ عام 2022، لكن رحلتنا معها ابتدأت قبلها بسنة في القاهرة؛ حيث عملنا مساراً نحتفل فيه بالإبداع السعودي، ودعونا نخبة من أكبر المبدعين في السعودية للحديث في القاهرة ضمن ملتقى لتبادُل الخبرات، كان ناجحاً للغاية، وهو ما شجعنا أكثر على المجيء إلى الرياض. بدأنا في السنة الأولى بمؤتمر، وفي المرة الثانية ظهرت شخصية قمة الإبداع الحقيقية من خلال مهرجان إبداعي كبير. والحمد لله، ها نحن اليوم نحتفل مع الرياض للمرة الثالثة".

وأشارت سلامة إلى أهمية الموضوع المطروح هذا العام؛ قائلة: "موضوعات الذكاء الاصطناعي (AI)، والذكاء الوكيل (Agentic AI)، والذكاء الفائق (Super Intelligence) أصبحت مصطلحات شائعة ومتداوَلة. وهناك مَن يشعر بالضياع، ومن لا يعرف، ومَن هو سعيد، ومن يستعمله بشكل خاطئ تماماً أو العكس. ولكن الحقيقة، أن الغبار لم ينكشف بعدُ، ومازال معظم الناس يشعرون بعدم اليقين. لذا فهو موضوع مهم للغاية للتعمق فيه وإجراء حوارات أكثر معنى".
وأضافت: "نحن نتحدث عن أهمية دور الإنسان إلى جانب مصطلح الذكاء الاصطناعي الذي يُقال في كل مكان؛ لأن أيّ ذكاء اصطناعي أو فائق، نابع بالأصل من ذكاء بشري حقيقي (Actual Human Intelligence). عندما يأخذ الذكاء الاصطناعي فكرةً ما؛ فهو يأخذها من الأمور المشتركة الموجودة أونلاين ليبني عليها؛ بل إنه لا يبني حتى على التفاصيل الدقيقة التي قد لا تُرى. وبناءً عليه، من المهم جداً تقديم التحية للإنسان، للذكاء الحقيقي الذي يرعى وينمي الذكاء الاصطناعي".

وبالنسبة لتفاصيل هذه النسخة؛ فقد أكدت أن: "أجندة القمة قوية جداً، والنقاشات مُعدة لخلق فرص خارج المسرح. لدينا أكثر من قسم ومنصة؛ مثل مسرح القمة، ومسرح التواصل الحكومي، ومسرح هولانا، ومسرح الإبداع. إنها مساحات متعددة تتيح للناس الجلوس والحديث وتبادُل النقاشات الرائعة بجانب محتوى القمة؛ لفتح حوارات أعمق والتواصل بشكل أكبر". وتابعت: "أعتقد أنه في المستقبل القريب جداً، سنشهد المزيد من تصدير المواهب والكفاءات العربية إلى الجانب الآخر من العالم".
أهمية الخبرة القطاعية

إثر مشاركتها في جلسة بعنوان "أين تتشكل الفرص القادمة في الذكاء الاصطناعي؟"، تحدثت د. خلود المانع، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة HKB Tech، لـ«سيّدتي» حول تفاصيل الجلسة والرسالة المراد إيصالها عبْرها؛ فقالت: "عقدنا اليوم لقاءً جميلاً في قمة الإبداع؛ حيث تحدثنا عن الشباب وكيفية دخولهم إلى سوق الذكاء الاصطناعي العالمي والبدء في المنافسة دولياً. وقد تناولنا خطوات البداية بدءاً بتحديد المشكلة، مروراً ببناء المنتج، وصولاً إلى الاستعانة بالخبراء".

وتابعت بالقول: "لقد أكدنا خلال جلستنا الحوارية على أهمية الخبراء وأصحاب الخبرة القطاعية (Domain Experts) في سوق العمل؛ فضلاً عن أهمية وجود خبراء تقنيين يضيفون قيمة حقيقية، وخبراء في تطوير الأعمال؛ لتهيئة نماذج العمل وتحويلها إلى منتجات قادرة على المنافسة العالمية.
وختمت د. خلود حديثها بالقول: "في ظل توجهات رؤية المملكة ورغبتها في أن تصبح مركزاً إقليمياً وعالمياً رائداً في مجال الذكاء الاصطناعي؛ فإننا نسعى- بتوفيق الله ثم بسواعد أبنائنا وشركاتنا- إلى إكمال هذه المنظومة المتكاملة؛ لنكون قادرين على المنافسة عالمياً بمِلكية فكرية سعودية تحت شعار (صُنع في السعودية)".
الإبداع من فكرة إلى نموذج قابل للنموّ

سيدة الأعمال أمل دخان، الشريك الإداري لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في 500 GLOBAL، شاركت في القمة كمتحدثة ضمن جلسة حوارية بعنوان "إلى أين يتجه المال؟ اقتصاد النموّ الإبداعي". «سيّدتي» التقتها بعد الجلسة؛ فقالت لنا: "دارت الجلسة حول كيفية تحويل المشاريع الإبداعية والابتكارية إلى مشاريع قابلة للاستثمار. وطبعاً، سبب اختيار هذا الموضوع هو أن التحدي الأكبر الذي يواجه المبتكر في المجال الإبداعي- سواء تكلمنا عن الأزياء، أو الفن، أو الإنتاج، أو الثقافة، أو غيرها من المجالات- يكمن في كيفية تحويل هذا الإبداع الجميل في بداياته إلى نموذج عمل قائم، قابل لإعادة الإنتاج وقابل للنموّ".
وأضافت: "قد يَبرز هنا السؤال الأكبر: هل يتعارض البزنس مع الإبداع؟ والمفروض ألّا يتعارض؛ لأنه في كل شركة ناشئة، نقول إنه يوجد نوع من أنواع الإبداع لجذب العميل. ففي النهاية، مهما كان نوع البزنس، سواء في التقنية أو في المجال الاعتيادي، لا بد أن يكون هناك جزء من الإبداع. وتلك هي المعادلة ليومنا هذا. فلو قدر أيّ رائد أعمال أن يمسك بها ويحول عمله الإبداعي إلى نموذج قابل للنمو، فستكون هي الأساس الذي يعتمد عليه، وقد كانت كل المحاور تدور حول هذه النقطة".

وتحدثت دخان عن تفاعُل الحضور مع موضوع الجلسة، وقالت: "من أكبر المخاوف التي عبّر عنها الحضور، هو: كيف أخرج بعملي من نطاق العمل الصغير وآخذه إلى عمل يكون جاذباً للمستثمر؟ واليوم، عندما يكون هاجسك الأكبر هو تجميع الأموال أو جمع التمويل؛ فلن تستطيع التركيز على عملك اليومي؛ إذ ستفضل طوال اليوم التفكير في: هل سيأتيني استثمار؟ وهل سأقدر أن أكبر وأصل للنقطة التي بعدها؟ والنقطة الثانية: مَن هو أصلاً المستثمر الذي يمكن أن يكون مهتماً بمجالي؟ وهل يوجد أصلاً مستثمرون مهتمون بالمجال الإبداعي؟ ولعل هذا كان من أكثر الأشياء التي جذبت انتباهي. بالإضافة إلى ذلك، لفت انتباهي سؤال أحد الحضور عن استخدام الذكاء الاصطناعي في مجال الإنتاج؛ لأني لم أرَ هذا النوع من الشركات موجوداً لدينا إلى الآن؛ فالواضح إذن أن هناك استخداماً كبيراً للتقنية في المجالات الإبداعية. اليوم السؤال هو: كيف يمكن أن نحولها ونأخذها إلى المرحلة الثانية"؟
وختمت حديثها بالقول: "طبعاً، الكثير من الوزارات بدأت مشاريع وبرامج وحملات توعوية لمعرفة ما توفره المشاريع الموجودة، وما يفكر فيه الشباب لكي تكبر هذه المجالات. لذلك، أتوقع أننا الآن في المسار الصحيح".
التراث خامة للإبداع

المستشارة في التراث الثقافي، إبتسام عبدالعزيز الوهيبي، والتي استُضيفت في القمة في جلسة بعنوان "للمستقبل ذاكرة: كيف يتحول التراث إلى مورد إبداعي" قالت من جهتها: "من أهم الأشياء التي دائماً ما نقولها، إن الثقافة والإبداع لا يفترقان؛ فجميلٌ أن نعامل الثقافة أو التراث كمصدر للاستلهام ومصدر للإبداع، لا كمصدر للحفظ وحده أو لنراه فقط في متحف أو نحافظ عليه من عدم التغيير".
وأضافت: "الآن أصبح التراث خامة للإبداع، خامة للأفكار، خامة للتصميم، خامة للحِرف؛ فبالتالي، وراء كل إبداع إنسان، وهذا الإنسان في قديم الزمان كان يصوغ حِرفاً ومنتجات تقليدية تراثية، وأصبح الناس يتداولونها أو يتناقلونها ويمكن أن تستمر للمستقبل، ويستمر الإبداع في التراث الحي".

وأكدت الوهيبي أن جزءاً كبيراً من المبدعين الشباب لازالوا متمسكين بالعنصر التراثي؛ قائلة: "لازالوا يتواصلون مع المجتمعات المحلية، ويسألون الحِرفيين وحاملي التراث؛ بل ويتعاونون معهم لكي يخلقوا أفكاراً إبداعية تستلهم من التراث. لا يأخذونه فقط كأنه عنصر أو فكرة جامدة؛ بل بالعكس، يطورون فيه؛ حتى نشعر بأننا نعيشه وكأنه واقع يمكن أن يمثل عصرنا الحالي".
وعن الجلسة، قالت: "تحدثنا عن أن المملكة شبه قارة، ويجب أن نسلط الضوء على المناطق التي لم ينظر إليها أحد من قبلُ. هناك مناطق فيها مرتفعات، وفيها سهول، ومناطق بحرية ساحلية، فيها كثير من التنوع الجغرافي، وبالتالي التنوع الثقافي والتراثي، وهذه هي الأماكن التي يمكن للمبدع أن يستلهم منها".
وختمت المستشارة حديثها برسالة مفادها أن: "التراث ليس شيئاً نحفظه في المتاحف؛ بل التراث حي يتشكل، نشعر به بقلوبنا ونراه ونعيشه ونمارسه ونورثه لأجيالنا القادمة".
الجيل الجديد في غرف الإبداع

صانعة المحتوى ومقدمة البودكاست، رتيل الشهري، التي كانت نجمة حفل الافتتاح كصوت للجيل الجديد، أعربت لـ«سيّدتي» عن سعادتها للمشاركة في هذا الحدث؛ قائلة: "أنا فخورة بوجودي هنا في بيئة توفّر الفرص للشباب في عمري؛ فهذا الأمر بالغ الأهمية؛ فهو يتجاوز مجرد الظهور ليُكسبنا الخبرة، ويعلمنا آليات التواصل، ويسهم في توجيه أفكارنا نحو آفاق نافعة. لقد شعرت بسعادة بالغة اليوم، وبأن وجودي وسْط هذه النخبة المبدعة، يعزز قدرتي على الابتكار من خلال الاستماع إلى رؤاهم والتعرُّف إلى وجوه جديدة. إن هذا المكان يُعَد منطلقاً رائعاً، ومثالاً مدهشاً على ضرورة انخراط جيلنا في هذه الحوارات، وتواجُده في تلك الغرف التي تُصنع فيها شرارة الإبداع".

وتابعت بالقول: "لقد ذكرتُ في الخطاب الافتتاحي أهمية أن يتواجد أبناء جيلي في مثل هذه المحافل التي تشهد صناعة الابتكار؛ فدائماً ما يُطلب منا أن نكون مبدعين، ولكن كيف يتأتى لنا ذلك إن لم نكن في قلب الأماكن التي ينطلق منها الإبداع؟".
أما أكثر ما أعجبها فهو شعار الفعالية، وأوضحت: "الشعار موجز، ولكنه يختزل الفكرة بأكملها؛ ليؤكد أنه مهما بلغنا من تطور وتمدد في مجال الذكاء الاصطناعي، نظل نحن البشر مصدر الإبداع الأصيل، ونحن من ابتكر هذا الذكاء. وعليه؛ فإننا نمثل المستقبل، ونحن عنوان الابتكار".


هذا ويُذكر أن "قمة الإبداع 2026"، تقام في حي جاكس في الرياض، في الفترة ما بين 3 و5 أكتوبر 2026، وتحظى بالشراكة مع عدد من الجهات، منها وزارة الإعلام كشريك إستراتيجي، والتواصل الحكومي كشريك حكومي وحي جاكس كشريك الموقع، وغيرها من الجهات الإبداعية، والمجتمعية، والتقنية، والتطويرية. ويشهد برنامج الحدث مشاركة ما يزيد عن الـ100 متحدث في الجلسات الحوارية وورش العمل والتجارِب المتنوّعة.
اقرأوا أيضاً: المنتدى السعودي للإعلام 2027 يجمع قادة الإعلام العالمي في الرياض

Google News