السيدة حفصة بنت عمر حافظة القرآن الصوامة القوامة

فضَل الله تعالى شهر رمضان الكريم على كثير من الشهور و جعله أفضل شهور العام .. ففرض فيه الصيام و أنزل فيه القرآن... ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لو يعلم العباد مافى رمضان لتمنت أمتى أن تكون السنة كلها رمضان»

.

و رمضان شهر الخيرات والبركات وهو سيد الشهور وشهر الصيام والقرآن وشهر القيم والإحسان، وشهر الصبر والغفران وشهر الرحمة والعتق من النيران، وفى رمضان ليلة خير من ألف شهر وهى ليلة القدر وفى هذا الشهر العظيم تُغفر الذنوب، وتفرج الكروب، ويستجاب الدعاء، فهو شهر البركة،وشهر صلة الأرحام.

 

لثواب إفطار الصائم فى رمضان أجر عظيم وكبير قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما مؤمن أطعم مؤمناً على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة ومن سقى مؤمناً على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم»

كما قال صلى الله عليه وسلم: «من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء»

وكان عبد الله بن عمر رضى الله عنهما لا يفطر إلا مع اليتامى والمساكين يأكل معهم ويشاركهم اغتناماً للأجر وسعياً لرضى رب العالمين الذى أعد لعباده الصالحين فى جنات النعيم ما لا عين رأت ولاأذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. ولئن كان الناس يفرحون بقدوم موسم الصيام ويجدون فيه خيراً وبركة، إلا أن القليل منا يقضيه على الوجه الذي يرضي الله ويعمره بالطاعات والقربات وأداء الواجبات.... ولربما تستجد في رمضان أنواع كثيرة من المخالفات التي لم تكن في الشهور قبله كالإسراف والتبذير وتضييع الصلوات والسهر أمام التليفزيون وإضاعة الأوقات.

 

المرأة المسلمة فى رمضان

كيف تعبد  المرأة المسلمة ربها في رمضان وكيف تقضي لحظاته وتستمتع بنفحاته حتى تكون من المتقين الفائزين بفضله وثوابه ومغفرته وحسناته؟

لو تأملنا في حال السلف وتتبعنا كيف كانوا يقضون أيامهم في رمضان وكيف كانوا يعمرونها بصالح الأعمال لعلمنا بُعد المفاز بين مانحن عليه وما كانوا عليه.

وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف فكيف نعيش رمضان كما عاشه سلفنا الصالح من أمهات المؤمنين والمؤمنات؟

وبين هذه السطور نتعرف على شخصية من شخصيات أمهات المؤمنين اللاتى عرفن كيف الطريق إلى الجنة من خلال شهر رمضان.

ولكن بداية تعالوا نتعرف على معنى كلمة أم المؤمنين.

أم المؤمنين هو مصطلح إسلامي يُطلق على زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم.

من أول من أطلق لقب أمهات المؤمنين؟

إن أول من سمى زوجات النبى رضوان الله عليهم أمهات المؤمنين هو النص القرآنى الكريم الذى أتى فى سورة الأحزاب فيقول تعالى: {النبى أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم ..}.

 

مكانة أمهات المؤمنين

وقد أكرم الله تعالى زوجات النبى صلى الله عليه وسلم بأن جعل لهن الأجر مضاعفا فى حسناتهن كما جعلهن أمهات لكل المؤمنين والمؤمنات وحُرم عليهن الزواج من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان ذلك برغبة منهن، كما أنهن فى الآخرة إن شاء الله من زوجاته فى الجنة.

 

الأمينة على كتاب الله 

وشخصيتنا اليوم هى إحدى أمهات المؤمنين والمؤمنات اللاتى اشتهرت بحفظها لكتاب الله تعالى عن ظهر قلب، وليس ذلك فحسب؛ بل كانت سببا ًرئيسياً فى حفظ الصحف التى كُتبت فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فقد اُختيرت السيدة حفصة من بين أمهات المؤمنات جميعاً ـ وفيهن عائشة ـ لتحفظ النسخة الأولى للمصحف الشريف، حيث بدأ حفظة القرآن الكريم فى ذلك الوقت فى الإندثار مابين شهيد ومتوفى فأشارعمر بن الخطاب على الخليفة أبو بكر أن يبادر فيجمع القرآن من صحفه المتفرقة، قبل أن يمر وقت طويل على نزوله، ويمضى حفظته الأولون، حيث استشهد منهم المئات فى مختلف الحروب والغزوات.

فاستجاب أبو بكر وجمع المصحف الكريم؛ فكانت صحفه عند أبى بكر حتى تُوفى، ثم عند عمر حتى قبض، فأوصى إلى حفصة فكان المصحف عندها حافظت على نسخته ورعتها حق الرعاية إلى أن جاء الخليفة الثالث عثمان بن عفان فطلب منها هذه النسخة حتى يجمعه على الصورة التى بين أيدينا الآن فكانت له خير المُعين وأعطته تلك النسخة التى حافظت عليها كما نزلت على رسول الله، فرضى الله عنها وأرضاها.

 

جميل لايٌنسى

وتلك هي الوديعة الغالية التي أودعها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عند ابنته حفصة أم المؤمنين فحفظتها بكل أمانة ورعتها بكل صون فحفظ لها الصحابة والتابعون وتابعوهم من المؤمنين إلى يومنا هذا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ذلك الذكر الجميل الذي تذكر فيه كلما تذاكر المسلمون جمع المصحف الشريف في مرحلتيه، في عهد الصديق أبي بكر وعهد ذي النورين عثمان رضى الله عنهما وبعد مقتل عثمان رضى الله عنه إلى آخر أيام علي رضى الله عنه. وتلك هى إحدى أهم المناقب لشخصيتنا الكريمة حفصة بنت عمر.

 

مؤمنة مسلمة منذ الصغر

عاشت السيدة حفصة حياة الإيمان والتوحيد منذ أن وعت لهذه الحياة فرسخ الإيمان فى قلبها وتوطدت معانيه، فكانت نعم المسلمة المؤمنة ولما بلغت سن الزواج تزوجها الصحابى الجليل «خُنيس بن حُذافة» الذى شهد الهجرتين، وشارك فى معركة أُحد ثم مالبث أن استشهد إثر جرح عميق أصابه فى المعركة.

 

الأرملة التقية

وترملت التقية المؤمنة حفصة بنت عمر وهى فى سن الثامنة عشرة. وتألم عمر بن الخطاب لألم ابنته التي أصبحت أرملة في ريعان الشباب فأخذ يفكر بعد انقضاء عدتها في أمرها، من سيكون زوجا لابنته؟.

 

يتزوج حفصة من هو خير من عثمان

 ومرت الأيام متتابعة وثقيلةوما من خاطب لها، وهو غير عالم بأن النبي صلى الله عليه و سلم قد أخذت حفصة من اهتمامه فقد أسر إلى أبي بكر الصديق أنه يريد خطبتها.

 ولما تطاولت الأيام على عمر وابنته الشابة الأيم يؤلمها الترمل، عرضها على أبي بكر ، فلم يجبه بشيء ثم عرضها على عثمان الذى كان أرمل هو الآخر بعد أن ماتت زوجته رُقية ابنة رسول الله  فلم يُجبه برد شاف فجرحت نفس عمر بن الخطاب وانكسر، وذهب وشكا حاله إلى النبي صلى الله عليه و سلم ، فأجابه الرسول مبتسماً :

 يتزوج حفصة من هو خير من عثمان فأطرق عمر بن الخطاب مفكرا: من هو خير من عُثمان يصلح زوجاً لإبنته؟ ثم قال له الرسول مصعباً عليه الأمر: و يتزوج عثمان من هي خير من حفصة.

ومالبث الأمر أن اتضح لسيدنا عمر بن الخطاب حيث تقدم له رسول الله خاطباً ابنته حفصة لنفسه. ومالبث أن تقدم عثمان لرسول الله خاطباً ابنته أم كلثوم إبنة الرسول الثانية، ولذلك لُقب سيدنا عثمان بن عفان بذى النورين فلقد شرفه الله تعالى بالزواج من ابنة رسول الله السيدة رقية رضى الله عنها، ولما ماتت تزوج أختها أم كلثوم رضى الله عنها.

 

الزواج الميمون

 وبذلك تحققت فرحة سيدنا عمر بن الخطاب وابنته حفصة، وبارك الصحابة يد رسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وهي تمتد لتكرم عمر بن الخطاب بشرف المصاهرة منه عليه الصلاة والسلام ، وتمسح عن حفصة آلام الترمل والفرقة. وكان زواجه - صلى الله عليه و سلم - بحفصة سنة ثلاث من الهجرة على صداق قدره 400 درهم،وسنها يومئذ عشرون عاما.

وبهذا الزواج ينال عمر بن الخطاب – رضى الله عنه - شرف مصاهرة النبى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويرى نفسه أنه قارب المنزلة التي بلغها أبو بكر بزواج الرسول، صلى الله عليه وسلم  ابنته عائشة، وهذا هو المقصود، والله أعلم، من تفكير النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بخطبته لحفصة بنت عمر رضي الله عنها.

 

حفصة فى بيت النبوة

عاشت السيدة حفصة في بيت النبوة‏,‏ وكانت ذكية عاقلة‏,‏ تعلمت القراءة والكتابة علي يد صحابية جليلة هي السيدة الشفاء بنت عبدالله وقد شجعها الرسول ـ صلي الله عليه وسلم ـ على التعلم، فكان ذلك هو طريقها إلى قراءة كتاب الله وحفظ آياته.

وقد حظيت حفصة بنت عمر الخطاب – رضي الله عنها - بالشرف الرفيع الذي حظيت به سابقتها عائشة بنت أبي بكر الصديق، وتبوأت المنزلة الكريمة من بين أمهات المؤمنين  رضي الله عنهنَّ.

وتدخل حفصة بيت النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثالثة الزوجات في بيوته عليه الصلاة والسلام. فقد جاءت بعد السيدة سوده بنت زمعة وعائشة بنت أبى بكر الصديق.

أما سوده فرحبت بها راضية، وأما عائشة فحارت ماذا تصنع مع هذه الزوجة الشابة وهي من هي! بنت الفاروق (عمر) الذي أعز الله به الإسلام قديما وملأ قلوب المشركين منه ذعرا.

وقد قَالَتْ عنها عَائِشَة:  هِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِن أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-.

 

حفصة وعائشة

وبمجرد زوال الغيرة الطبيعية بين السيدة عائشة ابنة أبى بكر الصديق، والسيدة حفصة ابنة عمر بن الخطاب ، نمت بينهما صداقة قوية امتدت إلى مابعد وفاة النبى صلى الله عليه وسلم عشرات السنوات.

وكذلك كانت علاقتها بباقى أمهات المؤمنات فقد كانت السيدة حفصة رضى الله عنها حسنة المعشر، طيبة القلب، ودودة تحب الخير لها ولكل من حولها.


سنوات فى كنف الحبيب

خلال السنوات التي عاشتها السيدة حفصة رضى الله عنها في كنف النبي صلى الله عليه وسلم، تعلمت من نبيل شمائله وكريم صفاته، ما دفعها إلى نقل هذه الصورة الدقيقة من أخلاقه وآدابه سواءٌ ما تعلّق منها بهديه وسمته، أومنطقه وألفاظه، أوحتى أحوال عبادته، فنجدها تقول: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم ثلاثة أيام من الشهر: الإثنين والخميس، والإثنين من الجمعة الأخرى».

وتقول : «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه وضع يده اليمنى تحت خده وقال (رب قني عذابك يوم تبعث عبادك) ثلاث مرات».

وقد شهد لها جبريل بصلاحها وتقواها ، وذلك حينما طلب من النّبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها بعد أن طلّقها تطليقةً، وقال له : (إنها صوّامة ، قوّامة ، وهي زوجتك في الجنة).

 

كل العام عندها رمضان

أخلصت السيدة حفصة رضى الله عنها لعبادة ربها وأعطتها جل وقتها، خاصة بعد وفاة رسول الله فلم يعد لديها زوج ولم يكتب الله لها أن تنجب، فكانت صوامة قوامة عابدة متصدقة وكانت كل شهور العام عندها رمضان، حتى انها امتنعت عن الخروج مع عائشة في الجيش المطالب بدم عثمان، إلى  أن توفيت في أول عهد معاوية بن أبي سفيان سنة إحدى وأربعين بالمدينة وهي يومئذ ابنة ستين عاماً أو ثلاث وستين.

فصلّى عليها جمع غفير من المسلمين، وشيعها أهل المدينة إلى مثواها الأخير في البقيع مع أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن.