mena-gmtdmp

حديث خاص بمجلة «سيدتي»

استقبل فضيلة الشيخ عثمان بطيخ مفتي الجمهورية التونسية في مكتبه بدار الإفتاء مجلة «سيدتي»، وخصها بالحديث التالي:

كم عدد الذين اعتنقوا الدين الإسلامي في دار الإفتاء بتونس في الأعوام الأخيرة وإن أمكن العدد الجملي والسنوي؟

تطور عدد المعتنقين للإسلام في تونس بنسق كبير، والأرقام تشهد على ذلك، ففي سنة 2000 مثلاً اعتنق الإسلام في تونس 231 شخصًا بين نساء ورجال، وفي السنة الموالية: 2001 (257)، 2002 (302)، 2003 (350)، 2004 (441)، 2005 (433)، 2006 (493)، 2007 (500)، 2008 (626)، 2009 (593)، 2010 (759)، 2011 إلى حدود 12 ديسمبر (1025)، ويكون العدد الجملي طيلة العقد الماضي حوالي 6010 اعتنقوا الإسلام.

هل صحيح أن أكبر عدد ممن اعتنقوا الإسلام هم من الذين يقترنون بتونسيات مسلمات؟

نعم، هم من الذين لهم علاقات بالعائلات التونسية، والتي زادتها ظروف العصر يسرًا وتمكينًا؛ فاللقاء بين أناس من مختلف الشعوب والجنسيات والديانات أصبح سهلاً بحكم تطور وسائل الاتصال السريع، وكذلك بسبب العمل في الخارج بالنسبة للتونسيين والتونسيات أو الأجانب الذين يعملون في بلادنا، وهؤلاء ينبهرون بصفاء العلاقات بين أفراد الأسرة الواحدة وتماسكها وتعاونها وما يقع من التراحم بينهم، الذي يزداد في شهر رمضان وفي الأعياد، وكذلك انفتاحهم على غيرهم واحترام مشاعر الآخرين، وهذه عوامل تقرب أسباب المصاهرة، إضافة إلى ما تتميز به المسلمة من أخلاق ومن نظافة حسية ومعنوية، وكثير منهن مثقفات يحملن شهادات علمية، وعادة ما يتم الزواج عن رغبة بين الطرفين واقتناع بينهما، وهو ما نلاحظه عند استقبالنا لهم، وفي هؤلاء الأجانب من يكون قد أسلم من قبل وتحصَّل على شهادة تثبت ذلك من مراكز إسلامية موجودة في بلدانهم، وهم ملتزمون بشعائر الإسلام يقبلون عليها بطواعية.

ما هي أهم المواضيع التي يستفتي فيها التونسيون والتونسيات؟

التونسيون والتونسيات من كلّ الشرائح الاجتماعية والمستويات الثقافية يستفتون كتابيًا أو حضوريًا في كلّ المواضيع التي تهم حياتهم الخاصة: كالزواج والطلاق والميراث والاقتراض من البنوك التجارية؛ لاقتناء مساكن أو استحداث مواطن الرزق، وقضايا أخرى كالتبني، ويسأل بعضهم عن كيفية الخروج من المأزق الذي تقع فيه العائلة عن جهل ثم تندم، أو مسألة ميراث المتبنى بعد وفاة المتبني، وموضوع الزكاة وأسئلة حول رمضان والحج والصلاة، ويسألون عن بعض المعاملات المالية كالتأمين والاسم التجاري المعروف عند الفقهاء ببيع النصبة (في اللغة الدارجة الهبوط)، وغيرها من المعاملات التجارية المستحدثة...

دعوتم في رسالة مفتوحة إلى عدم المساس بالفصل الأول من الدستور التونسي الذي ينص على أن تونس دولة دينها الإسلام ولغتها العربية، واليوم والمجلس التأسيسي يناقش وضع دستور جديد لتونس، ما هي توصيتك؟

موضوع الهوية العربية الإسلامية لتونس كان محل صراع مرير طيلة 75 عامًا مع الاستعمار الأجنبي، ولما تحصَّلت تونس على استقلالها بادر التونسيون عند وضع أول دستور سنة 1959 إلى تضمين هوية الدولة التونسيّة العربية الإسلامية في أول فصل، وهو أهم المكاسب التي يجب ألا نفرط فيها، فتونس عريقة في إسلامها وفي عروبتها، واختارت أن تكون سنية مالكية المذهب؛ باعتبار أن الإمام مالك هو زعيم المدرسة الفقهيّة السنيّة السلفية الحقيقيّة المتمسكة بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والمذهب المالكي لا يمنع الاجتهاد في القضايا المستحدثة، وهو متفتح على غيره من المذاهب السنية، وقد استفادت بلادنا كثيرًا من هذا المذهب في اعتداله ووسطيته، واستنبط منه المشرعون مجلة العقود والالتزامات، ومجلة الحقوق العينية، ومجلة الأحوال الشخصية التي اعتمد فيها أيضًا عند تقنينها على المذهب الحنفي والمذهب الظاهري والمذهب الجعفري، وهو الدليل على تمسكنا بالحق بالحكمة، فهي ضالة المؤمن أينما وجدها التقطها، وقد تعاشر المذهبان المالكي والحنفي في تونس طويلاً خصوصًا عند دخول الأتراك العثمانيين منذ القرن 16م، وفي عهد الدولة الحسينية. وقد كان القضاء والفتوى على مقتضى المذهبين جنبًا إلى جنب دون تصادم.

ولا أشك لحظة في أن المجلس التأسيسي سيكون وفيًا لهوية الشعب وأصالته، بل لابد من تفعيل الفصل الأول على أرض الواقع حتى لا يبقى حبرًا على ورق، ولا يعني ذلك البتة أننا لا نستفيد من حضارة العصر بما يلائمنا، باعتبارنا جزءًا من المجموعة البشرية، والتونسي معروف من قديم الزمان باعتداله بدليل أن في تونس مذهبًا إباضيًا، وأصحابه يعيشون بسلام وفي طمأنينة، وتعيش معنا طائفة يهودية تونسية عريقة لحمًا ودمًا ولغة، معتزة بانتمائها، يتبرؤون من الصهيونية، ويرفضون الهجرة إلى إسرائيل، وهو ما عبر به على لسانهم الحاخام حاييم بيتان (جريدة الصريح بتاريخ 10/12/2011 ص9).

كيف السبيل إلى ترشيد التوجيه الديني في مجتمع مثل تونس كثرت فيه في المدة الأخيرة الاجتهادات والاختلافات؟

من الطبيعي أن تتعدد الآراء والاتجاهات، وكلٌّ يلمس طريقه؛ ليعبر عن آرائه ويدافع عنها؛ لأنه يراها هي السليمة والصحيحة، ويحرص على أن يدعو إليها بعد أن انفتح مجال الحرية على أوسع نطاق، وهو ما نشاهده ونسمعه ونقرؤه كل يوم على صفحات الجرائد، وفي وسائل الإعلام المسموعة والمرئية، ولكن يجب أن نجتمع جميعًا على أن وسيلة التعبير لا يمكنها أن تتجاوز حدود الحوار المتزن بالطرق العلمية وبالإقناع الذي يعتمد الحجج والبراهين، وهو السبيل إلى التقارب والتوافق، ومن لا يقتنع فهو حر في الاحتفاظ برأيه من غير تسلط أو رغبة في الإساءة أو فرض الرأي بالقوة والعنف، ومن فعل ذلك فقد خرج عن حدود الدين وعن أخلاق المسلمين، والله الهادي إلى سواء السبيل.

ما هي أغرب وأطرف قضية تمّ استفتاؤكم فيها؟

القضايا المعروضة لا تخلو من طرافة، كمن يتقدم في السن ويبلغ من العمر عتيًا ومع ذلك يتلفظ بالطلاق ثلاثاً، ثمّ تراه نادمًا باكيًا يبحث عن مخرج شرعي يرجع به زوجته، وكذلك ندم المتبني بعد أن يرزقه الله بالذرية، وكذلك من ينتبه إلى حكم الله ويريد التخلص والتكفير عن الذنب، خاصة بعد أن تكون زوجته قد موهت على العائلة بالظهور في مظهر الحامل، ثمّ يفتضح أمرها وتقع العائلة في مأزق.

ما هو تصوركم لإصلاح التعليم الديني في تونس؟

هذا الأمر لا يكفي فيه رأي واحد، وخصوصًا شأن الدين لابد من بإشراك شيوخ العلم الشرعي، ورجال التربية وأساتذة الجامعة الزيتونيّة والمجلس الإسلامي الأعلى الذي يهمه الأمر بمقتضى اختصاصه إلى جانب دار الإفتاء.

كيف ترون باختصار أجدى السبل لإعطاء صورة حقيقية للغرب والغربيين عن الإسلام المعتدل المتسامح؟

الإسلام الحقيقي هو المعتدل المتسامح بحسب ما نصت عليها آيات القرآن الكريم، وتوجيهات النبيّ صلى الله عليه وسلم، وسلوك الصحابة رضي الله عنهم. والتاريخ الإسلامي شاهد على ذلك، وهو ما جعله ينتشر بسرعة شرقًا وغربًا ومازال كذلك؛ لأنه يحمل قيم الصدق والعدالة والمساواة والإنصاف والتسامح. والصورة الحقيقية للإسلام نقدمها من خلال سلوكنا، ومن خلال تصرفاتنا وأقوالنا، وليس الصلاة وحدها في المساجد أو في الطرقات كافية لتعطي الصورة الصحيحة عن الإسلام وعن المسلمين، وبالأخلاق النظيفة وباحترامنا لغيرنا نكون خير دعاة للناس أجمعين، وإذا كنا كذلك أحبنا الله، ومن أحبه الله حبب فيه جميع خلقه. والله ولي التوفيق.