أثار الشيخ عبدالمحسن العُـبِـيْـكان المستشار القضائي بوزارة العدل وعضو مجلس الشورى السعودي جدلاً واسعًا داخل المجتمع السعودي وخارجه، بعد فتواه الأخيرة في أحد برامج الإفتاء التليفزيونية، والتي أباح فيها للزوجة إرضاع الرجل الأجنبي الذي يدخل عليهم بشكل متكرر، بشرط عدم الإرضاع مباشرة، وأن يتم أخذ الحليب بطريقة مناسبة بعيدة عن ذلك، ويتم تناوله من قِبَل الشخص المعني. سيدتي استطلعت آراء عدد من العلماء حول الفتوى:
يقول العُـبِـيْـكان في فتواه التليفزيونية ما نصّه: "الرضاع ما كان دون الحَـولـيـن «وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ»؛ لكن ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك الـشّـوكاني، وعدد من العلماء المحققين إلى أنه إذا احتاج أهل بيت «ما» إلى شخص يدخل عليهم أو يسكن معهم، ودخوله فيه صعوبة عليهم بسبب وجود بنات وزوجة؛ ففي هذه الحالة لا بأس أن تُرضعه الزوجة، والدليل حديث سالم مولى أبيحذيفة، فلما نَـزَل تَحْـرِيم التبني جاءت امرأة أبي حذيفة، وقالت: يا رسول الله إنّ سالمًا يدخل عليَّ، وقد حرّم الله التبني؟ فقال: أرضعيه تَحْـرُمِـي عليه، (وهو كبير)، وكذلك عائشة _رضي الله عنها_ إذا كانت تحتاج أن يدخل عليها أحد؛ تطلب من إحدى أخواتها أن تُرضعه، وأكد الشيخ العبيكان أنّ هذا ليس حكمًا خاصًّا، بل عاما".
معارضًا العبيكان، يحتجّ الشيخ الدكتور محمد النجيمي، رئيس الدراسات الدينية بكلية الملك فهد الأمنية بالرياض، بأنّ حديث سالم مولى أبي حذيفة ثابت في صحيح مسلم، لكن هذه الحادثة خاصة لسالم، وهي كشهادة خزيمة التي جعلها الرسول [ بشهادة رجلين، وهذا قول جمهور العلماء، الذين أجمعوا على أنّ حرمة الرضاعة لا تكون إلا إذا كانت في الحولين؛ أي خلال السنتين أو كانت في الصغر، ونقصد به منْ كان في سن ثلاث أو أربع سنوات وما إلى ذلك، وبناء على ذلك فقول الشيخ العبيكان يعتبر مرجوحًا؛ لأنه وإنْ كان قد استدل بأقوال بعض العلماء وأفعال بعض الصحابة كعائشة _رضي الله عنها_ لكن هذه كلها تدور في أنها أمر خاص بسالم ولا يتعداه لغيره، وعلى هذا أجمع جمهور الفقهاء، كما أنّ ذلك كان في بداية التشريع، وكان النبي يحلّ بعض المشكلات، لكن بعد استقرار التشريع أصبحت الرضاعة في الحولين أو في الصغر..
ما ضوابط تطبيقها؟
وعن الآثار المترتبة على الفتوى، يقول النجيمي: «أعتقد أنه لو قلنا برأي الشيخ العبيكان فسينفتح الباب إلى أنّ الكل سيدّعي أنه في حاجة لذلك، فقد يدَّعي أناس أنّ السائقين يدخلون كثيرًا على النساء، وقد يأتي آخر فيدّعي أنّ فلانًا من الناس يدخل كثيرًا على النساء، وعلى هذا فالموضوع ليس له ضابط.
مجامع الفتوى لم تُجزها
فيما يقول الداعية الإسلامي غازي الشمري رئيس لجنة التكافل الأسري بإمارة المنطقة الشرقية: "العبيكان للأسف الشديد دائمًا ما يأتي بالعجائب والآراء الغريبة والفتاوى الشاذة على المجتمع السعودي، فقديمًا قال بفتوى حلِّ السحر بالسحر، والآن بإرضاع الكبير مستندًا إلى حادثة سالم، وهي حالة خاصة كما يرى العلماء، وعلى الشيخ العبيكان احترام مؤسسات الإفتاء، التي ارتضاها وليُّ الأمر، والتي لا تقول بمثل هذه الأقوال"..
العبيكان يرد على منتقديه
واجهنا الشيخ عبدالمحسن العبيكان بالآراء المعارضة، وكان استياؤه واضحًا من ردود الأفعال التي أثارتها الفتوى، حيثُ تحولت مواقع الإنترنت ـ حسب قوله ـ إلى ساحة للرد على الفتوى، دون الإلمام بكافة جوانبها.
سألناه:
بعض علماء الدين أكدوا لنا أنّ حادثة سالم خاصة، ولم تتكرر في زمن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو عهد الصحابة والتابعين؟
هذا كلام باطل، وليس هناك دليل على الخصوصية، ولا أحد ينكر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني والبسام والحواشي وابن عبدالبر.
وفي ذلك ردٌّ على الغوغائيين الذين جعلوا من المواقع الإلكترونية ساحة للاعتراض، وللتطرق للأمر من طرف واحد وترك الطرف الآخر.
ألا تعتقد أنّ مثل هذه الفتاوى تسبب اللغط والفتن إنْ لم تكن لها ضوابط صارمة؟
فتوى إرضاع الكبير لها ضوابط منها: ألا يكون الرضاع مباشرة، وأن تكون ضمن إطار وحاجات ملحة وخاصة، والغريب أن بعض منْ يدَّعون العلم، يزعمون أنّ هذا ما قاله الأئمة، والحقيقة أنهم لم يفهموا النصوص، ولم يطلعوا على كتب أهل العلم، وإنما يصوّبون الخطأ، ويخطئون الصواب بلا رؤية ولا تعمق، بخلاف الفقهاء والعلماء الحقيقيين فإنهم يحترمون آراء الآخرين، ويرجحون ما يعتقدونه دون إبطال قول المخالف.