منذ اللحظة التي يعود فيها المولود إلى المنزل، تبدأ الأم في اكتشاف لغة جديدة تماماً، لغة لا تعتمد على الكلمات ولا تحتاج إلى قاموس، وإنما تتكوّن من بكاء قصير وطويل، وأنين خافت، وتأوهات متقطعة، وصوت يشبه الهمهمة، وأحياناً أصوات غريبة قد تجعل الوالدين يتساءلان عما إذا كان الطفل يشعر بالجوع أو الألم أو النعاس أو يحتاج فقط إلى حضن دافئ، ومع أن المولود لا يستطيع في أسابيعه الأولى التعبير بالكلمات عما يريده، فإنه يستخدم صوته إلى جانب حركات جسده وملامح وجهه وطريقة تنفسه ليبعث إشارات تساعد والديه تدريجياً على فهم احتياجاته.
ومن المهم أن تعرف الأم أن الصوت الواحد لا يعني دائماً الشيء نفسه، فالبكاء مثلاً قد يكون بسبب الجوع في موقف، وقد يكون بسبب التعب أو الحفاض المبلل أو الحاجة إلى التجشؤ في موقف آخر، كما أن بعض المواليد يصدرون أصواتاً كثيرة أثناء النوم أو الرضاعة أو حتى أثناء تحريك أيديهم وأرجلهم، وهي أصوات قد تبدو غريبة في البداية لكنها تكون طبيعية في كثير من الأحيان، ولذلك فإن أفضل طرق لفهم صوت المولود هي الاستماع إليه مع ملاحظة ما يحدث حوله في اللحظة نفسها، وهل يرافق الصوت تغير في لون الوجه أو التنفس أو الحركة أو الرضاعة.
1. البكاء المتقطّع.. ربما يقول: أنا جائع

يُعد البكاء أكثر أصوات المولود وضوحاً، لكنه في الوقت نفسه ليس دائماً أول علامة على الجوع، إذ قد يبدأ الطفل بإشارات أكثر هدوءاً قبل أن يصل إلى مرحلة البكاء، مثل تحريك الرأس بحثاً عن الثدي أو الزجاجة، وفتح الفم وإغلاقه، ووضع اليدين بالقرب من الفم أو مص الأصابع وتحريك اللسان، ثم يبدأ بعد ذلك في إصدار أصوات قصيرة ومتقطّعة قد تزداد تدريجياً إلى أن تتحول إلى بكاء واضح.
وعندما تسمع الأم هذا النوع من البكاء وهي تلاحظ أن الطفل يستدير بفمه نحو صدرها أو يبحث بفمه عن مصدر الرضاعة، فمن المحتمل أن يكون الجوع هو السبب، خصوصاً إذا مرّ وقت مناسب منذ الرضعة السابقة، لكن لا ينبغي الاعتماد على الصوت وحده لتحديد حاجة الطفل إلى الطعام، لأن المولود قد يبكي بالطريقة نفسها تقريباً بسبب أسباب أخرى، ولذلك تكون مراقبة مجموعة العلامات معاً أكثر فائدة من محاولة تفسير نغمة واحدة بمعزل عن بقية سلوك الطفل.
2. البكاء العالي والمستمر.. حاجة إلى التحقّق من السبب
عندما يتحول صوت المولود إلى بكاء قوي ومستمر يصعب تهدئته، فإن الرسالة لا تكون بالضرورة أنه يعاني من مشكلة خطيرة، لكنها إشارة تستحق من الوالدين التوقف ومحاولة معرفة السبب، فقد يكون الطفل جائعاً جداً، أو متعباً، أو يشعر بالحرارة أو البرودة، أو يحتاج إلى تغيير الحفاض، أو يعاني من الغازات، أو يحتاج إلى التجشؤ بعد الرضاعة، كما يمكن أن يكون منزعجاً من الملابس الضيقة أو الأصوات العالية أو كثرة المثيرات المحيطة به.
وفي بعض الأحيان يبدو الطفل وكأنه انتقل فجأة من الهدوء إلى بكاء شديد، وهنا من المفيد أن تبدأ الأم بفحص احتياجاته الأساسية بهدوء، مع التأكد من أنه يتنفس بصورة طبيعية وأن لونه طبيعي وأنه يستطيع الرضاعة، وإذا كان البكاء غير المعتاد شديداً أو مستمراً أو مصحوباً بعلامات أخرى مثل الحمى أو صعوبة التنفس أو القيء المتكرر أو الخمول الشديد، فينبغي طلب التقييم الطبي بدل افتراض أن السبب مجرد مغص أو جوع.
3. الأنين أو الصوت الناعم المتأوّه.. ربما يكون بسبب التعب أو عدم الراحة

قد يصدر المولود صوتاً منخفضاً يشبه الأنين، خصوصاً عندما يكون مستلقياً أو يحاول الانتقال من حالة إلى أخرى، وقد يظهر هذا الصوت أثناء النعاس أو عندما يشعر الطفل بعدم الراحة، مثل وجود حفاض مبلّل أو وضعية غير مناسبة أو حاجة إلى التجشؤ.
وفي كثير من الأحيان يكون الأنين المتقطّع جزءاً من الأصوات الطبيعية التي يصدرها حديثو الولادة، خصوصاً أن جهازهم العصبي لا يزال في مرحلة النضج، كما أن قدرتهم على التحكم في عضلات التنفس والصوت تختلف عن الأطفال الأكبر سناً، ولذلك قد يسمع الوالدان أصواتاً متعددة خلال اليوم من دون أن يكون كل صوت علامة على مشكلة.
لكن الفرق المهم هو أن الأنين الذي يظهر مع كل نفس أو يبدو وكأنه جهد واضح في التنفس يختلف عن الأنين العابر أثناء النوم أو الحركة، فإذا لاحظت الأم أن الطفل يصدر صوتاً متكرراً مع الزفير، أو يبدو عليه صعوبة في التنفس، أو يتغير لون شفتيه أو وجهه، فإن الأمر يحتاج إلى تقييم طبي سريع.
4. الهمهمة الخفيفة.. بداية التواصل
من أجمل الأصوات التي قد تسمعها الأم من مولودها تلك الهمهمات الخفيفة التي تبدو وكأن الطفل يحاول الحديث، وقد تظهر عندما يكون مستيقظاً وهادئاً، خصوصاً بعد الرضاعة أو أثناء وجوده بين ذراعي أحد الوالدين، وهذه الأصوات لا تكون بالضرورة كلمات أو محاولة واعية للتحدث، وإنما تمثل جزءاً من التطور الطبيعي لقدرة الطفل على استخدام صوته والتفاعل مع البيئة المحيطة به.
وقد تشعر الأم أن طفلها يرد عليها عندما تتحدث إليه، فتقول جملة قصيرة فيصدر هو صوتاً صغيراً، ثم تسكت فيصدر صوتاً آخر، ومع تكرار هذه التجربة يتعلم الطفل تدريجياً أن الأصوات وسيلة للتواصل، ولهذا ينصح بالتحدث إلى المولود والغناء له والرد على أصواته، ليس بهدف تعليمه الكلام مبكراً، وإنما لتوفير تفاعل صوتي واجتماعي يساعده على التطور.
قد يهمك.. ما هي الأصوات الصحية التي يصدرها مولودك في شهوره الأولى؟
5. صوت المص أو اللعق.. علامة مرتبطة بالرضاعة

أثناء الرضاعة قد تسمع الأم أصواتاً واضحة للمص والبلع، وقد يكون صوت البلع المنتظم من العلامات المفيدة التي تشير إلى أن الطفل يحصل على الحليب، خصوصاً عندما يكون مصّه منتظماً ويتوقف للحظات قصيرة ثم يستأنف.
وقد تصدر أيضاً أصوات صغيرة من الفم عندما يحاول الطفل الالتقاط الصحيح للثدي أو الحلمة، وفي بعض الأحيان يكون الصوت مرتفعاً بسبب طريقة الالتقام أو وجود هواء، ولذلك لا ينبغي تفسير كل صوت أثناء الرضاعة باعتباره علامة على وجود مشكلة.
لكن إذا كان الطفل يصدر أصواتاً متكررة جداً مع صعوبة واضحة في التنفس أثناء الرضاعة، أو يترك الرضاعة باستمرار وكأنه لا يستطيع التنسيق بين المص والبلع والتنفس، أو يتعب بسرعة أو لا يبدو أنه يحصل على كمية كافية من الحليب، فمن الأفضل استشارة طبيب الأطفال أو مختص الرضاعة لتقييم طريقة الرضاعة.
6. صوت التجشؤ والغرغرة بعد الرضاعة.. المعدة تتعامل مع الحليب والهواء
بعد الرضاعة قد تسمع الأم أصوات غرغرة أو قرقرة من بطن الطفل، وقد يصاحبها تجشؤ صغير، وهذه الأصوات غالباً مرتبطة بمرور الحليب والهواء داخل الجهاز الهضمي، وهي شائعة جداً خلال الأشهر الأولى خصوصاً، لأن المولود قد يبتلع بعض الهواء أثناء الرضاعة.
وقد يحتاج الطفل إلى حمله بوضعية مستقيمة لبعض الوقت بعد الرضاعة ومساعدته على التجشؤ بطريقة لطيفة، مع الانتباه إلى أن بعض الأطفال يتجشؤون بسرعة بينما يحتاج آخرون إلى وقت أطول، كما أن خروج الغازات من البطن قد يرافقه أحياناً صوت واضح أو حركة في الساقين.
وإذا كان الطفل يبدو مرتاحاً ويرضع جيداً وينمو بصورة طبيعية، فإن أصوات البطن وحدها لا تكون عادة سبباً للقلق، أما إذا ترافق معها قيء متكرر أو انتفاخ شديد أو رفض للرضاعة أو ألم واضح أو تغير غير معتاد في حالة الطفل، فينبغي استشارة الطبيب.
7. الشخير أو الصوت الأنفي أثناء النوم.. قد يكون بسبب ضيق الممرات الأنفية

يُفاجأ بعض الآباء بأن مولودهم يصدر أصواتاً أثناء النوم تشبه الشخير، خصوصاً أن الأنف لدى حديثي الولادة صغير جداً، ولذلك فإن كمية بسيطة من الإفرازات أو الجفاف قد تجعل التنفس يبدو مسموعاً أكثر مما يتوقع الوالدان.
وقد تسمع الأم صوتاً يشبه الخرخرة أو الاحتقان، بينما يكون الطفل في الحقيقة يتنفس بشكل طبيعي ولا يعاني من مشكلة، وخاصة إذا كان لونه طبيعياً ويستطيع الرضاعة والنوم من دون صعوبة.
لكن المهم هو التفريق بين التنفس المسموع والتنفس المجهد، فإذا لاحظت الأم أن الطفل يتوقف عن التنفس، أو يلهث، أو تتسع فتحات الأنف مع كل نفس، أو ينكمش الجلد بين الأضلاع أو تحتها أثناء التنفس، أو يتحول لون الشفاه أو الوجه إلى الأزرق أو الرمادي، فهذه علامات تستوجب الحصول على مساعدة طبية عاجلة.
8. العطاس المتكرر.. ليس بالضرورة نزلة برد
قد يعطس المولود عدة مرات في اليوم، وقد يقلق الوالدان من أن يكون قد أصيب بالزكام، لكن العطاس لدى حديثي الولادة يمكن أن يكون وسيلة طبيعية لتنظيف الأنف من الإفرازات أو الغبار أو المهيجات، خصوصاً أن الطفل لا يستطيع تنظيف أنفه بالطريقة التي يفعلها الطفل الأكبر سناً.
لذلك فإن عطسات قليلة أو متقطعة، من دون أعراض أخرى مثل الحمى أو صعوبة التنفس أو ضعف الرضاعة أو الخمول، لا تعني بالضرورة أن الطفل مريض، كما أن المولود قد يعطس عند الانتقال من الضوء إلى الظلام أو عند تعرضه لتغير في درجة الحرارة.
أما إذا كان العطاس مصحوباً بإفرازات أنفية كثيرة أو صعوبة في التنفس أو ارتفاع في درجة الحرارة أو تراجع في الرضاعة، فينبغي مراقبة الطفل والتواصل مع الطبيب، خصوصاً في الأسابيع الأولى من العمر عندما تكون أي علامات مرضية أكثر أهمية.
9. أصوات الدفع والشدّ أثناء التبرز.. جهازه الهضمي يتعلم العمل

من أكثر الأصوات التي قد تثير حيرة الوالدين أنين الطفل أو تذمره أو دفعه بقوة أثناء محاولة التبرز، فقد يبدو وكأنه يعاني من إمساك شديد، بينما يكون البراز في الحقيقة ليناً، والطفل فقط يحاول تعلم كيفية تنسيق عضلات البطن والحوض لإخراج البراز.
وقد يضم الطفل ساقيه أو يحمر وجهه قليلاً ويصدر أصواتاً من الشدّ ثم يخرج البراز، وهذه العملية قد تبدو للأم أصعب مما هي عليه في الواقع، خصوصاً خلال الأسابيع الأولى.
لكن المهم هو النظر إلى طبيعة البراز وحالة الطفل العامة، وليس إلى قوة الصوت وحدها، فإذا كان البراز ليناً والطفل يرضع جيداً ويبدو بصحة جيدة، فقد يكون ما يحدث جزءاً من تطور طبيعي في التحكم بعملية التبرز، أما البراز الصلب جداً أو وجود دم أو قيء أو انتفاخ شديد أو ألم واضح أو ضعف في الرضاعة فيحتاج إلى استشارة الطبيب.
10. الغرغرة والضحكات والأصوات المفاجئة.. المولود يكتشف صوته
مع مرور الأسابيع يبدأ المولود في إصدار مجموعة أكبر من الأصوات، فقد تسمع الأم غرغرة أو أصواتاً حلقية قصيرة أو أصواتاً تبدو كأن الطفل يحاول الضحك أو تقليد ما يسمعه حوله، وهذه المرحلة من أجمل مراحل التواصل المبكر، لأنها تعني أن الطفل بدأ يكتشف أن صوته يمكن أن يجذب انتباه الآخرين ويؤدي إلى استجابة منهم.
وقد تجلس الأم أمام طفلها وتتحدث معه فيصدر صوتاً، ثم تكرر هي الصوت فيحاول تقليدها، ومع الوقت تصبح هذه اللعبة البسيطة بداية لتبادل الأصوات والتفاعل الاجتماعي، ولذلك فإن الحديث مع المولود والابتسام له والرد على أصواته كلها طرق بسيطة لدعم التواصل المبكر.
ومع ذلك، يجب ألا تتوقع الأم نمطاً ثابتاً من الأصوات لدى كل الأطفال، فهناك مواليد كثيرو الأصوات وآخرون أكثر هدوءاً، كما أن التطور اللغوي يختلف من طفل إلى آخر، ولذلك فإن المقارنة بين طفل وآخر ليست الطريقة الأفضل للحكم على التطور.
كيف تتعلم الأم لغة مولودها؟
مع الأيام ستبدأ الأم في ملاحظة أن لكل طفل طريقته الخاصة في إصدار الأصوات، فقد يكون بكاؤه عند الجوع مختلفاً قليلاً عن بكائه عند التعب، وقد يتحرك بطريقة معينة عندما يحتاج إلى تغيير الحفاض، أو يهدأ بمجرد حمله، أو يلتفت نحو مصدر الصوت عندما يسمع صوت أمه، ومع تكرار هذه المواقف تبدأ الأم في تكوين ما يشبه قاموساً خاصاً بطفلها.
والأفضل ألا تحاول الأم تفسير كل صوت بصورة منفصلة، وإنما تنظر إلى الصورة الكاملة، فتسأل نفسها: متى صدر الصوت؟ هل كان الطفل مستيقظاً أم نائماً؟ هل رضع منذ وقت قريب؟ هل يبدو مرتاحاً؟ هل لون بشرته طبيعي؟ هل يتنفس بسهولة؟ هل يتحرك بصورة معتادة؟ وهل يهدأ عندما يُحمل أو يُرضع أو يُغيّر له الحفاض؟
هذه التفاصيل تجعل تفسير الأصوات أكثر دقة، لأن صوت المولود لا يعمل مثل الكلمات التي لها معنى ثابت، بل هو جزء من مجموعة كبيرة من الإشارات التي يستخدمها الطفل للتعبير عن حالته.
متى لا ينبغي تجاهل صوت المولود؟
رغم أن معظم أصوات حديثي الولادة طبيعية، هناك أصوات أو تغيرات صوتية تستحق الانتباه، في الحالات الآتية:
إذا ظهرت بشكل مفاجئ أو ترافقت مع تغيّر في التنفس أو اللون أو النشاط، ومن العلامات المهمة صعوبة التنفس، أو الأنين مع كل نفس، أو توقف التنفس، أو ازرقاق الشفاه أو الوجه، أو ضعف القدرة على الرضاعة، أو الخمول الشديد، أو البكاء الحاد غير المعتاد الذي لا يمكن تهدئته، أو القيء المتكرر، أو ارتفاع درجة الحرارة لدى مولود صغير.
وفي هذه الحالات لا ينبغي أن تعتمد الأسرة على تفسير الصوت من خلال تجارب الآخرين أو مقاطع الإنترنت، لأن حديثي الولادة يحتاجون إلى تقييم طبي عندما تظهر علامات مقلقة، كما أن العمر الدقيق للطفل وحالته الصحية ومرحلة الولادة والتغذية عوامل تؤثر في معنى كثير من الأعراض.
تابعي أيضًا..ما هي الأصوات الصحية التي يصدرها مولودك في شهوره الأولى؟


Google News