تحدثت المخرجة المصرية الأصل مي الطوخي من مهرجان فينيسيا السينمائي 2026 عن تجربتها الطويلة مع عدم التوازن بين النساء والرجال في صناعة السينما، مؤكدة أن مشاركتها في المسابقة الرسمية هذا العام، إلى جانب عدد محدود للغاية من المخرجات، أعادت إلى ذهنها حجم العمل الذي لا يزال مطلوبًا لتحقيق المساواة. وفي الوقت نفسه، كشفت تفاصيل فيلمها الجديد «امرأة مجهولة» (Woman Unknown)، الذي تعود من خلاله إلى السينما بعد سبع سنوات، مستندة إلى وقائع تاريخية عن نساء دنماركيات تعرضن للإذلال والعقاب العلني بعد الحرب العالمية الثانية.
مي الطوخي: ما زال أمامنا الكثير لتحقيق المساواة في السينما
تشارك مي الطوخي May El-Toukhy في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي 2026 ، هذا العام بفيلم Woman Unknown «امرأة مجهولة»، وكانت المخرجة الوحيدة من بين 20 مخرجًا في المنافسة الرئيسية على جائزة الأسد الذهبي، قبل انضمام راشيل زور، التي تشارك يوفال أبراهام إخراج فيلم «نيزا»، إلى قائمة المنافسين بعد إضافة العمل إلى البرنامج لاحقًا.
ورغم أن الطوخي تصف وجودها في المسابقة بأنه أمر يسعدها ويشرفها، فإن قلة عدد المخرجات المشاركات في سباق الأسد الذهبي ظلت حاضرة في ذهنها.
وتقول: هذا يخبرنا بأن هناك الكثير والكثير من العمل الذي لا يزال يتعين علينا القيام به. أعتقد أنها مشكلة هيكلية جدًا، ولدي أنا شخصيًا الكثير من الخبرة معها. لقد كنت المرأة الوحيدة في كثير وكثير من الأماكن.
وترى المخرجة أن مشكلة عدم التوازن بين النساء والرجال في صناعة السينما تبدأ منذ المراحل الأولى لمسيرة صانعات الأفلام، بدءًا من مغادرة مدرسة السينما، مرورًا بإنجاز الفيلم الأول ثم الثاني، ووصولًا إلى الميزانيات التي يعملن في حدودها، وحتى الممثلين الذين يوافقون على المشاركة في أفلامهن والذين يرفضونها.
وتشير أيضًا إلى الطريقة التي تصنع بها وسائل الإعلام صورة المخرجين الرجال، قائلة إن الإعلام يتعامل معهم أحيانًا باعتبارهم عباقرة، قبل أن تضيف: «لم أسمع قط عن مخرجة وُصفت بأنها عبقرية».
وتؤكد الطوخي أن الجميع جزء من هذه المنظومة، وأن تجربتها في فينيسيا هذا العام جعلتها تفكر مجددًا في مدى خطورة المشكلة وكونها متجذرة في بنية الصناعة نفسها، معتبرة أنها تعود إلى تاريخ السينما، بل إلى ما هو أقدم من ذلك.
وترى أن فيلمها يتقاطع مع هذه القضية أيضًا، خصوصًا في تناوله مسألة اختفاء النساء من السرد التاريخي وعدم منح تجاربهن المساحة الكافية.
من مطاردات الساحرات إلى قصة النساء بعد الحرب العالمية الثانية
يمثل «امرأة مجهولة» أول فيلم طويل لمي الطوخي منذ سبع سنوات، بعدما عملت خلال هذه الفترة في الدراما التلفزيونية «كراي وولف» و«ذا كراون».
وبدأت فكرة الفيلم من بحث أجرته الطوخي حول مطاردات الساحرات في الدنمارك، التي ارتبطت بالإصلاح الذي بدأ في البلاد عام 1536، وأسفرت عن أكثر من ألف عملية إعدام.
وكانت المخرجة تعتزم في البداية تقديم فيلم عن تلك الحقبة، لكنها مع تعمقها في البحث وجدت صعوبة في التواصل مع وجهة نظر مطاردي الساحرات، موضحة أنها تميل بطبيعتها إلى القصص التي تكون حدودها أكثر ضبابية وفوضوية وتعقيدًا.
وخلال ابتعادها مع شريكتها في الكتابة منذ سنوات، مارين لويز كاينه، عن الفكرة الأولى، عثرتا على صور لنساء دنماركيات تعرضن للعقاب العلني بعد الحرب العالمية الثانية بسبب علاقاتهن مع الجنود الألمان.
كانت النساء يتعرضن لحلق رؤوسهن والضرب والتجريد من الملابس في الشوارع بسبب علاقاتهن مع الألمان، في مشاهد وقعت في مناطق مختلفة من أوروبا بعد انتهاء الحرب.
وتقول الطوخي إن هذه الصور فتحت أمامهما نقاشًا حول حقيقة أن كلا الجانبين يمكن أن يكون مخطئًا وصائبًا في الوقت نفسه، وكذلك حول فكرة أن انتهاء الحرب قد يؤدي إلى البحث عن أي شخص يمكن معاقبته، خصوصًا إذا كان بالإمكان معاقبته من دون أن يتعرض الشخص الذي ينفذ العقاب للمحاسبة.
وتضيف أن النساء كن في كثير من الأحيان الطرف الأسهل للاستهداف، مؤكدة أن هذه الفكرة كانت نقطة البداية الحقيقية للفيلم.
دراسة أنيت وارينغ كشفت خلفية معاقبة النساء
قاد البحث المخرجة وشريكتها في الكتابة إلى أعمال الأكاديمية الدنماركية أنيت وارينغ، وإلى دراستها الصادرة عام 1994 بعنوان «الفتيات المؤيدات لألمانيا – خلال الاحتلال والمحاسبة القضائية».
وقدرت وارينغ أن ما لا يقل عن 50 ألف امرأة دنماركية أقمن علاقات مع جنود ألمان خلال سنوات الاحتلال الخمس، لكنها أشارت إلى أن عددًا قليلًا فقط من هؤلاء النساء كن مخبرات أو مؤيدات لألمانيا النازية.
كما أوضحت دراستها أن إقامة علاقات مع الجنود الألمان لم تكن جريمة بموجب القانون، لا خلال فترة الاحتلال ولا وفق التشريعات التي صدرت بعد الحرب العالمية الثانية، وكان ذلك مرتبطًا بسياسة الدنمارك القائمة على التعاون مع ألمانيا بعد غزوها البلاد عام 1940.
ووفقًا لما طرحته وارينغ، فإن عمليات التطهير والإذلال التي استهدفت النساء بعد الحرب كانت مرتبطة بدرجة أكبر بمفاهيم تمييزية حول النشاط الجنسي للمرأة وما يُعد سلوكًا أخلاقيًا مناسبًا لها، إضافة إلى الاعتقاد بأن «جنس المرأة كان ملكية وطنية».
وتشير الطوخي إلى أن وارينغ تعرضت لانتقادات شديدة بسبب هذه الأفكار في تسعينيات القرن الماضي، في وقت كان جيل الحرب لا يزال حيًا ويتمتع بتأثير كبير في الرواية السائدة حول ما حدث.
وتقول إنهما تعمقتا في دراسة وارينغ، التي أصبحت نقطة الانطلاق الأساسية لتطوير قصة الفيلم.
لماذا أصبحت النساء هدفًا سهلًا بعد الحرب؟
ترى مي الطوخي أن تاريخ الدنمارك خلال الحرب كان أكثر تعقيدًا من التصنيف البسيط بين التعاون والمقاومة، موضحة أن كون البلاد دولة صغيرة جعل سياسة التهدئة مع ألمانيا خيارًا تكتيكيًا لم تكن أمامها خيارات كثيرة بديلة عنه.
وتشير إلى أن هذه السياسة أدت إلى تداخل الحدود بين التعاون والمشاركة الفعلية، في حين لم تتعزز المقاومة بصورة كبيرة إلا مع اقتراب نهاية الحرب.
وتقول: «لقد أبقينا حكومتنا ومجتمعنا قائمين، لكننا في الوقت نفسه كنا مضطهدين من جانب الألمان. وأصبح ذلك هو النقاش بأكمله بعد الحرب».
وبعد انتهاء الحرب، عوقب أشخاص بتهمة التعاون مع الألمان، وكان من بينهم من عُرفوا باسم «المتعاونين الأفقيين»، في إشارة إلى النساء اللواتي أقمن علاقات مع الجنود الألمان.
لكن العقاب لم يطل الجميع، إذ كان هناك أشخاص لم تتم معاقبتهم لأن المجتمع كان يحتاج إليهم، ومن بينهم أصحاب المصانع والأطباء وغيرهم، وتوضح الطوخي: «أصبح الأمر معقدًا للغاية لمعاقبتهم، لأنه لو حدث ذلك، لتوقفت كل الأمور. كانت النساء هدفًا سهلًا».
وترى أن العار الذي لحق بهذه النساء بعد كشف علاقاتهن وإذلالهن علنًا ثم نبذهن اجتماعيًا لم يتوقف عند جيلهن، بل امتد تأثيره إلى أجيال لاحقة.
وتقول إن أبناء هؤلاء النساء أصبحوا اليوم في عمر والدتها تقريبًا، أي في السبعينيات والثمانينيات، فيما لا يزال الجيل التالي يعيش أيضًا في ظل تلك القصة.
«امرأة مجهولة».. ماري شخصية مركبة من قصص حقيقية
تدور أحداث الفيلم في الدنمارك خلال صيف عام 1945، وتروي قصة ماري، وهي مربية وخادمة منزلية تقف على أعتاب الزواج من رب عملها الثري، الأرمل والأكبر منها سنًا.
وتؤدي ماتيليد أرسيل دور ماري، بينما يؤدي كارستن بيورلوند دور رب عملها، وبينما تعم الاحتفالات أجواء البلاد مع التحرر، يظهر الوجه الأكثر قتامة لهذه المرحلة، إذ تبدأ ملاحقة النساء اللواتي أقمن علاقات مع الجنود الألمان وتعريضهن للتشهير والإذلال العلني.
وفي الوقت نفسه، يهدد سر مؤلم من ماضي ماري صعودها الاجتماعي الوشيك والهش، فتفعل كل ما في وسعها لمنع كشفه، لكن شخصية ماري لا تستند إلى امرأة حقيقية واحدة؛ فقد صاغتها الطوخي من مجموع القصص والوقائع التي عثرت عليها خلال أبحاثها.
وتوضح: «إنها مبنية على الجميع ولا أحد. إنها ليست شخصًا محددًا».
كما تطورت شخصية ماري من أسئلة المخرجة حول طبيعة الهياكل الاجتماعية التي تسمح بإذلال امرأة والاعتداء عليها جسديًا في الشارع أمام قبول المجتمع أو موافقته.
وتقول إن اهتمامها بفكرة جسد المرأة باعتباره ساحة للصراع دفعها إلى التساؤل حول الطريقة التي يمكن بها للمواطنين العاديين أن يفعلوا ذلك بشخص آخر، والهياكل الموجودة داخل المجتمع التي تسمح بحدوث هذا الأمر، وكيف يمكن أن تظهر الهياكل نفسها داخل المنازل.
ومن هذه الأسئلة، كما تقول، تطورت قصة الفيلم.
مي الطوخي اختارت الإثارة النفسية لتقديم رؤية مختلفة للحرب
جاء اختيار قالب الإثارة النفسية تدريجيًا، بينما كانت الطوخي وكاينه تبحثان عن طريقة لتقديم شيء جديد داخل أجواء الحرب العالمية الثانية وما بعدها.
وتقول المخرجة إن من السهل الوقوع في فخ إعادة إنتاج كل ما شاهده الجمهور على مدار السنوات، مشيرة إلى أنها شعرت أحيانًا بأن بعض الأشخاص لم يتفاعلوا بشكل كامل عندما كانت تقدم لهم فكرة الفيلم.
وترى أن ذلك غير عادل، لأن هناك الكثير من القصص عن النساء التي لم تُروَ بعد، ولا سيما أن استمرار تقديم هذه القصص لا يعني بالضرورة العودة إلى مرحلة تاريخية قديمة، بل يمكن أن يفتح أسئلة جديدة حول المجتمع.
وكان أحد أهداف صانعي الفيلم أن يكون العمل مشوقًا وقابلًا للمشاهدة رغم جدية موضوعه، وتوضح الطوخي: «كانت الفكرة أن نجعله ممتعًا، وأن تكون مشاهدته مثيرة، حتى لو كان الموضوع نفسه جادًا».
كما أرادت أن تقدم فيلمًا لا يشبه الشكل التقليدي لأفلام الحرب العالمية الثانية أو الأعمال التي تتناول مرحلة ما بعد الحرب.
الكاميرا تلاحق ماري على مدار خمسة أيام
تجري أحداث الفيلم على مدار خمسة أيام، مع اعتماد أسلوب بصري يجعل الكاميرا قريبة للغاية من ماري، وكأنها تجلس فوق كتفها، وتوضح الطوخي أن الكاميرا لا تبتعد عنها لتبقى وحدها مع الشخصيات الأخرى، باستثناء لحظات محدودة تنفتح فيها على روح العصر، حيث تغوص في الطاقة والفوضى وأجواء تلك الفترة على مستوى أكثر فلسفية.
وتقول إن قرار البقاء إلى جانب ماري طوال الوقت ارتبط أيضًا برغبتها في تقديم فيلم عن الحرب العالمية الثانية أو مرحلة ما بعدها بنكهة مختلفة، وهو الأمر الذي ظلت تبحث عنه أثناء تطوير العمل.
تأثير ألفريد هيتشكوك وإيتوري سكولا في «امرأة مجهولة»
تظهر في الفيلم أجواء تستحضر أعمال ألفريد هيتشكوك، خصوصًا في المشاهد التي تراقب فيها ماري سكان المبنى الفخم، وهو الموقع الرئيسي للأحداث، من خلال نوافذ الشقق الأخرى، بينما يظل المشاهد أمام سؤال دائم: من يراقب ماري؟
كما تستشهد الطوخي بفيلم «يوم خاص» لإيتوري سكولا، الذي أُنتج عام 1977، وقامت ببطولته صوفيا لورين إلى جانب مارسيلو ماستروياني، وتدور أحداث ذلك الفيلم حول ربة منزل في روما وجارها، اللذين يبقيان في منزليهما في اليوم الذي يزور فيه أدولف هتلر بينيتو موسوليني.
وتشير الطوخي إلى حضور النوافذ في الفيلم أيضًا، وإلى الإحساس بأن الجميع يراقب الجميع، والخوف المستمر من أن يراك شخص ما ويتساءل عما يراه، وترى أن هذه الفكرة أصبحت رمزًا مناسبًا لعزلة ماري، فهي جزء من هذا العالم الفخم، لكنها في الوقت نفسه تقف خارجه.
اللون الأحمر.. العلامة البصرية الأبرز في الفيلم
وضعت مي الطوخي تصورًا جماليًا واضحًا للفيلم، وجعلت اللون الأحمر عنصرًا متكررًا طوال الأحداث، يظهر في ملابس ماري، وفي العلم الدنماركي، وكذلك في علامات الصليب المعقوف التي تُرسم على منازل الأشخاص المشتبه في تعاونهم مع الألمان.
وتوضح أنها لم تكن تريد تصوير الفيلم بالأبيض والأسود، لكنها أرادت أن يبدو شبه منزوع التشبع اللوني، مع بقائه ملونًا، بحيث تتركز الصورة بصورة أساسية على الأسود والأحمر والأبيض.
وتشرح أن العلم الدنماركي يجمع الأحمر والأبيض، فيما يظهر العلم النازي بالأسود والأبيض فوق الأحمر، إلى جانب درجات الرمادي والبني.
وتقول إن النتيجة النهائية كانت فيلمًا يبدو تقريبًا كما لو كان بالأبيض والأسود، مع ظهور واضح لبقع اللون الأحمر.
وترى الطوخي أن اختيار الألوان لم يكن مجرد قرار جمالي، وإنما وسيلة للتعبير عن محاولة المجتمع الدنماركي إعادة بناء إحساسه بالهوية الوطنية بعد الحرب.
الهوية الوطنية حاضرة في تفاصيل الصورة
تقول الطوخي إن صناعة الفيلم تتطلب عددًا هائلًا من القرارات، وإنها تقضي وقتًا طويلًا في التفكير في الطريقة التي يمكن من خلالها إدخال عناصر تخاطب العقل الباطن للجمهور، حتى لو لم يلاحظها المشاهد بصورة واعية.
وتصف نظام الألوان بأنه تفسيرها الخاص للأحداث، وربما لا يلتقط الجمهور هذا المعنى بشكل مباشر، لكنها تربطه بصعود النزعة الوطنية في تلك المرحلة.
وتوضح أن المجتمع كان بحاجة إلى إعادة بناء روايته عن نفسه، خصوصًا في ظل التعاون مع الألمان، وكذلك بسبب الفظائع والتواطؤ اللذين وقعا خلال الحرب.
وتقول إن استخدام هذه الألوان باعتبارها أشبه بتوقيع وطني كان مصدر إلهام كبيرًا لها، ومنحها طاقة إضافية أثناء تصوير الفيلم.
يمكنك المتابعة.. أبرز لقطات حفل افتتاح مهرجان فينيسيا السينمائي 2026: جورج كلوني يتسلم الأسد الذهبي.. وماغي جيلنهال تدعو لسينما تُزلزل الثوابت
لمشاهدة أجمل صور المشاهير زوروا «إنستغرام سيدتي».
وللاطلاع على فيديوغراف المشاهير زوروا «تيك توك سيدتي».
ويمكنكم متابعة آخر أخبار النجوم عبر «تويتر» «سيدتي فن».

Google News