mena-gmtdmp

أطعم الصياد

أطعم الصياد


سيدتي أنا شابة خليجية، ولكِ دراية بمستوى النزعة المحافظة لدى مجتمعنا خاصة، عمري الآن 23  عامًا، متخرجة وبمواهب أحمد الله عليها، والمستقبل سيكون مزهرا بإذن الله، بشرط أن أحرص على نفسي من شخص تعرفت عليه عن طريق أحد المنتديات الثقافية الإلكترونية، استمرت معرفتي به طوال ستة أشهر تقريبًا، وأكنّ له احترامًا كبيرًا لكونه شابًا مميزًا، فهو مثقف جدًّا وكأنه انتهل العلم والمعرفة من صدر أمه قبل الحليب، وهذا سبب فتنتي به، بجانب المزايا الكثيرة التي يمتاز بها، والتي يشاركني في جلها، تبهرني فيه هذه الصفة، وأنا التي أنشد في رفيق عمري أن يكون بهذا المستوى من العلم والتحضر، أحببته حبًّا جامحًا، رغم أني لم أقم علاقة خارجية معه، أقصد خارج إطار المنتدى الإلكتروني، ولكن بعد فترة، وبعد أن تيقنت أنه امتلك فؤادي وكل أمري، بدأت أصلي صلوات استخارة في البقاء في هذا المنتدى أم تركه، لألوذ بنفسي خوفًا من القصص التي أسمعها هنا وهناك عما ينتج عن الحب بهذه الطريقة، وكون شبابنا وقد أصبحوا متوحشين ولا يتقون الله في علاقاتهم مع البنات، المهم بعد عدة استخارت متباعدة الفترات، اختار لي الله أن تقطع شبكة الإنترنت من بيتنا لمشاكل الشركة في وقتها، ولظروف عائلية دخلنا بها لم نعد قادرين على إعادة النت إلى البيت بعد ذلك، فبقيت هائمة، أعيش على فتات ذكرياته، لا أرجو من الدنيا سوى أن أعيش بقربه، كان وقتها عمري 19 عامًا، وفي سنواتي الجامعية الأولى، قبل عام من الآن، وبعد مضي سنة ونصف السنة على تركي للمنتدى، عاد النت إلى بيتنا، وظللت أراسله قرابة شهر، نتحدث في أمور عامة وقضايا راهنة، ولكنني أحسست فجأة بتأنيب الضمير، وبأن أهلي لا يحبون أن يروني بهذا الحال، وانقطعت عنه وأنا في أشد حاجتي إلى قربه، ورفض في بادئ الأمر هذه القطيعة، فهو يرى أن تفكيرنا متقارب، ونجد متعة في الحديث معًا، وأراد مني أن أبقى، لكنني كنت حازمة، لم يقطع هو من جانبه المراسلات، فقد ظل ينشد عن أحوالي وأخباري، ويرسل لي بطاقات معايدة وتهنئات في المناسبات، بدون أي رد مني، وفي نهاية المطاف وبعد أن ملّ من عدم اكتراثي، أرسل لي رسالة استثنائية بنظري؛ لأنه لأول مرة يطلب فيها أن أعرِّف بنفسي وألقي اللثام عن غموضي، فهو معجب بي كما قال ذلك مرارًا، ويريد التعرف عليَّ أكثر وبشكل شخصي، ولا أدري لمَ رددت بغضب وكأنني تخيلت أنه يعاملني بغباء ويريد الإيقاع بي كفريسة سهلة، أجبته برسالة غاضبة جدًّا ومختصرة، بأنني مصدومة به بشدة، لم يرد عليَّ وتجاهل رسالتي، وبعد أن مضى قرابة الستة أشهر على تلك الرسالة، أرسل لي طلب إضافة على الماسينجر، وعندها انفجرت باكية، وكنت في حالة نفسية سيئة جدًّا، لم أقبل الإضافة حتى لا أتعلق به، ولكنني أمطرته برسالة حب وهيام بعد عشرة أيام فقط من ذلك اليوم، قلت لي إنني لا أستطيع العيش بدونك، ولكوني لا أحتمل، بعد أن كنت حرة نفسي ومشاعري، أن أربطها بشخص لا أعرفه تمام المعرفة، المعرفة الحقيقية، الواقعية، لا ما يقوله هو عن نفسه، أو من خلال تعارف «إنترنتي»، أجابني بهدوء وكأنني فاجأته مفاجأة كبرى، بأنه خجل من نفسه، لكونه لا يحمل لي ما حملته له من حب وإخلاص على مدى ثلاث سنوات، هو معجب بي بشدة -كما يقول- ولي عنده مكانة مميزة وخاصة، ويحتاج شهورًا كي يصل إلى مستوى ما وصلت إليه من حب، ولكنه لا يجزم، فهو لديه مشاعر نحوي وربما تكبر يومًا ما لتصل إلى ما أريده أنا، فقلت له، وقد أحسست بالإهانة، إنني لم أرد سوى الاعتراف له لكي أريح صدري من ألم الكتمان، وإنني لا أريد منه أن يحبني، وإنني أريد منه فقط أن يظل موجودًا بحياتي وبقربي بأية صفة كانت، حتى إنني طلبت منه إغلاق الحديث في هذا الشأن، والحقيقة أنني خشيت من أن أهيم به أكثر لو أطلنا الحديث في مشاعرنا، أو حدثني بأنه يحبني كما أحبه، فأضيّع سمعتي -لا سمح الله- لو اتضح أنه على غير ما يزعم، وقد وعدني بأن يظل بجانبي وبأن يبادلني الرسائل ولا يحرمني من وصاله رغم غضبه من سوء فهمي للموقف، ولا أدري أتصرفي كله صحيح أم خطأ؟ وهل برأيك هو صريح وصادق؟! أنا في حيرة من أمري، فدليني سيدتي، لذلك لجأت إليكِ، بيننا تفاهم كبير، وتقارب شديد في مستوى التفكير، وإن كان يفوقني ثقافة وفكرًا، ويقول إنني أقرب أنثى إلى نفسه، ويحب أن يتحدث إليَّ، ولكنني أخاف من المستقبل بسببه، أنا لا أعرف صورته وشكله، ومع ذلك أحببته بعمق، وهو أول رجل يسكن قلبي، ولم أعد أستطيع أن أفسح مكانًا لرجل غيره!!

ش.م

 

عزيزتي والله إني لأتألم لألمكِ، ولكني أرى الموقف من جميع زواياه، وأقول لكِ إنه موقف لا يبشّر بالخير، فقد وضعت نفسكِ موضع من هي قابلة للكسر، وهو اختار أن يعلّق مشاعركِ وارتباطك به، بأن يقول لك إن مشاعره لا ترقى إلى مستوى الغرام بكِ، وإنما أنت أنثى مقربة منه كثيرًا، يعني جعلك تلتقطين الطعم لأنك جائعة، ويرى ما يمكن أن يفعله بكِ ليتذوقه.

إنه لم يطلب منك أن تحبيه، وأنت لا تحبينه حقا، وإنما تحبين فكره وثقافته الواسعة التي فتنتكِ وجعلتكِ تتصورين أن كل شيء آخر يتعلق به هو أيضًا مثالي، فتصورتِ أنه أكثر الناس وسامة وخلقًا رفيعًا واعتدالاً، وربما يكون متزوجًا وأنتِ لا تعرفين، وربما تكون له صديقة أو صديقات.

أنت تعلمين علم اليقين أن الشاب الخليجي، والعربي عموماً يحب بقلبه ويتزوج بعقل أمه وأبيه، وأن البنت التي ترتبط بعلاقات على النت لا تصلح في رأي عموم الناس زوجة؛ لأنه حتى إذا فكّر في الارتباط بها، يظل يحاصرها بالشك طوال العمر.

يا ابنتي هل سمعتِ بأي إنسان مات من الحب؟ ولكنك حتمًا سمعتِ أن الفضيحة موت والخيانة موت.. أنتِ لست مجبرة على البحث عن حبيب على النت، الحب المحفوف بكل تلك المخاطر لا يشفي القلب بل يوجعه.

وظّفي كل إرادتكِ وانقطعي عن التواصل معه وإلا ندمتِ، الهيام به هو تعبير غير واع عن احتياج نفسي وعاطفي للارتباط، ولكن إذا اكتفيتِ من الاحتياج بهذه العلاقة فقد وافقتِ على أن يستعمر هذا الشخص مشاعرك ويمنعك فعليًّا من قبول أي فرصة حقيقية ومعلنة اجتماعيًّا للعثور على الحب تمهيدًا للزواج.

 

ظلام الحزن

سيدتي لا تهملي رسالتي، فأنا محتاجة جدًّا جدًّا لأم لكي أشكو لها، وأجد منها حلولاً لمشاكلي،أنا من اليمن، يتيمة الأب، دائمًا أنام وأنا أبكي، وأنتِ أول من سيعرف بعد ربي تفاصيل حياتي.. أنا عندي 20 سنة، أنا خجولة مما سأقول، لكنني سأخبرك به؛ لأنني أريد أن أضع حدًّا لهذا الأمر، ودعوت ربي كثيرًا بأن يخلصني منه.. فأنا أقدم بفعل سرّي مشين كلما أخلو إلى نفسي، وأنا متضايقة جدًّا من هذا الأمر، كلما عزمت بأن أصلح من نفسي، أعود وأكررها، أرجوكِ ساعديني.. لا أفكر أبدًا أن أخبر والدتي؛ لأن أمي لا تحبني بالقدر الذي تحب فيه إخوتي، أنا محتاجة لكِ جدًّا.. كوني أمي لكي أستعين بكِ، فأنا وحيدة أرجوكِ.. أقع دائمًا في مشاكل؛ في الجامعة، وفي البيت، ولا أحد يشعر بي، أجلس أبكي في غرفتي وحيدة، أعرف شابًا من العمل هو أقرب الناس لي، لكنني لا أستطيع أبدًا أن أبوح له بمثل هذه الأمور، أمي تحرمني من كل شيء، حتى إنها حرمتني من مصاريفي وأمرتني بأن أذهب وأشتغل، لسنا فقراء، بل بالعكس أناس كثيرون يتمنون حالتنا؛ لأن التأمين يدفع لنا مبلغًا شهريًّا، أشعر أنني مدمرة، وأحاول أن أنسى حياتي بممارسة هذا الفعل.. لا أريد أن أبرر لنفسي، بل أريد أن أتعالج من مرضي، أريد أن أخبرك بشيءٍ آخر، علاقتي بهذا الشاب علاقة كلها احترام لا نتعدى حدودنا أبدًا.. شعرت بارتياح بعدما أكملت رسالتي.. أنا واثقة أنكِ ستكونين أقرب لي كابنتك.

 

عزيزتي ما تشعرين به بعد ممارسة هذه العادة المشينة هو الفراغ الأجوف والندم والإحساس بالدنس.. لأنها عادة تتغذى على الخيال والإثارة الوقتية، وتنتهي الإثارة أسرع مما تبدأ، ولا تخلف إلا الإحساس بالخواء، فهي لا تسمن ولا تغني من جوع كما يقال، وليست هي وسيلة للهرب من المشاكل؛ لأن الهرب لا يستمر إلا زمنًا قصيرًا.

لا أنصحكِ بالبوح بما يعتريكِ لأي إنسان من الأقارب أو الأصدقاء، وربما كانت فكرة أمك هي الأصوب؛ لأنك لو عملتِ وأنجزت إنجازا مستقلا سوف يشعركِ بقيمة مستقلة عن علاقاتكِ بأفراد الأسرة، وتلتقين على أرض محايدة مع زملاء وزميلات، وتربطين صداقات جديدة، اعتبري كل يوم وحدة قائمة بذاتها، وعلاج الحالة هو عدم الانفراد بنفسك إلا إذا اقتضت الضرورة، وملء الفراغ بنشاطات مختلفة ورياضة بدنية لامتصاص فائض الطاقة، الصلاة هي إحدى الوسائل التي تنهي هذه الممارسة.

أنا مؤمنة بأن كل شيء يبدأ في العقل، وبالإرادة يمكن تحقيق أي هدف، إذا كان الشاب المذكور مناسبًا لك، فلمَ لا تفكرين في الزواج؟! الزواج هو الوسيلة السليمة لإشباع الاحتياجات العاطفية.. بعد الزواج ستكون لكِ حياة مستقلة لا تعتمد على أي إنسان سوى الزوجين وحدهما.