بيانكا صديقة ألمانية تتردد منذ بضعة أعوام على المغرب لإنجاز رسالة بحث في الثقافة الشعبية لدول جنوب الحوض المتوسطي، التقتها جدتي في سوق الخُضَر، كانت تنظر بشره إلى صناديق الطماطم، والجزر، والخس، والخيار، وأشفقت جدتي عليها، وأحضرتها إلى البيت، كان ذلك يوم جمعة، وكنا منشغلتين، أمي وأنا، بتحضير طبق الكسكسي الأسبوعي، عرفتنا بيانكا بنفسها، لم تكن تُحسن الفرنسية، وتعثّرت كثيرًا وأنا أحاورها بالقليل الذي أجيده من الإنجليزية، تناولت الغداء معنا، وبدت مبهورة بطعم السميد الممزوج باللحم، والخُضَر اللذيذة، عرضت عليها جدتي أن تبقى عندنا، الدار واسعة، والفندق الذي أخبرتنا أنها تقيم فيه مكلّف، وبعيد عن وسط البلدة، قبلت بيانكا بفرح، ورافقتها لإحضار أغراضها القليلة.
من يومها وبيانكا تزورنا مرتين، أو ثلاث مرات كل عام، ووعدتها بأن أزورها في ألمانيا، أول ما أرسم في وظيفتي، وأحصل على استحقاقاتي المادية، تعلّمت بعض العربية، والأمازيغية، وحسنت بعض الشيء إنجليزيتي، وصرنا نفهم بعضنا، طال غيابها في الفترة الأخيرة، مرّ أكثر من ستة أشهر على آخر زيارة لها، وانتظرت بفارغ الصبر مقدمها لأبشّرها بآخر أخباري: رسمت أخيرًا، وتوصلت بمجموع رواتبي الشهرية الماضية، وصار بإمكاني أن أفكر جديًا في مرافقتها إلى أوربا، أهلي لم يتحمسوا للفكرة، أبي ألح عليّ لأشتري سيارة، ستنفعه هو بالأساس في تنقلاته اليومية إلى مكان عمله في منجم جير في السفوح الغربية، وأمي أرادت مني أن أشتري ذهبًا ينفعني وقت الحاجة، وجدتي رغبت بأن أستثمر مالي في العقار، وصول بيانكا أخيرًا جعلني أتنفّس الصعداء، جررتها إلى غرفتي، وحدثتها بحماس عن التطورات الأخيرة التي جدّت في حياتي المهنية، سألتني أي نوع من السيارات يفكر فيه والدي، وضحكت وأنا أخبرها بأنه يحلم بلاند روفر، لن يكفي أبدًا المبلغ الذي حصلت عليه لدفع ثمنها، بدت بيانكا شاردة وهي تنصحني بأن أختار سيارة كبيرة الحجم، انتبهت إلى أنها ليست على ما يرام، وبدأت أسألها عما يجري، وتهالكت على سريري وهي تبتسم بطريقة غامضة، خرجت من المستشفى منذ شهر، أخبرتني، واتسعت ابتسامتها وهي تراني أقفز من مكاني بذعر، دعتني لأجلس، ستحكي لي أغرب ما سمعته في حياتي!
تعرّضت في الشهر الماضي إلى حادث فظيع وهي في طريقها إلى الجامعة، اصطدمت سيارتها الأوبل الصغيرة بشجرة، كانت تسير بسرعة مائة كيلومتر، لم تفهم ما حدث، ولم تتذكر الشيء الكثير، ولكنها شعرت في لحظة ما بأن سيارتها تسير على العشب على يمين الطريق، حاولت أن تصحح سيرها، وألقت نظرة عجلى على اللوحة الأمامية، ولكنها حين رفعت رأسها فوجئت بسيارة وشجرة تسدان الطريق أمامها، ارتبكت، وضغطت الفرامل، واستدارت سيارتها بسرعة جنونية وأخذت تدور حول نفسها ثم اصطدمت بالشجرة، وهنا حدثت المعجزة! دخل المحرك في المقعد الأمامي الذي يجاورها، وانتزع في طريقه اللوحة الإلكترونية الأمامية، ودفع المقعد الموجود على يمينها نحو المقعد الخلفي، لم تكد تُصب بشيء على الإطلاق، التواء بسيط، وكدمة، أو كدمتين لا غير، سيارتها تحولت إلى لعبة منبعجة من كل الجهات، ذُهل الجميع، الشرطة، والميكانيكي، والإسعاف، وأخبروها أنها محظوظة بشكل لا يصدق، تركتها الممرضات وجرين إلى سائق السيارة التي حاولت تفاديها، بقي مسمرًا خلف مقوده لا يقوى على الكلام، ولا على الحركة من هول ما رآه، الحادثة أصابتها هي أيضا بصدمة نفسية شديدة، والأطباء رفضوا السماح لها بمغادرة المستشفى رغم أن الفحوصات أثبتت أنها لا تشكو من شيء.
هل تتخيلين؟ سألتني بخوف، كان من الممكن أن ألقى حتفي بطريقة فظيعة، لن أقود بعد اليوم علبة سردين أخرى مهما يحدث، أنصحك بأن تشتري سيارة كبيرة الحجم، لا يهم ما ستدفعينه، سلامتك أولى لم أشتر سيارة، ولا ذهبًا، ولا عقارًا! سجّلت جدتي في لائحة الحجاج إلى بيت الله الحرام، وشعرت بالرضا البالغ وأنا أرى الفرحة ترقص في عينيها الدامعتين.

Google News