لا تعرف كيف بدأت تفكر فيما قالته لها سولانج.
لا يمكن أن تنفذ ذلك، لن يسمح لها عقلها، ولا مبادئها... ولكنها في موقف يائس؛ دراستها، ومستقبلها، ووضعيتها المالية المتأزمة.
وضعت قدمها عمدًا في بركة ماء موحلة على الرصيف، وشعرت بشيء من التشفي وهي تحس بالبلل يخترق جلد الحذاء وصوف الجوارب، ويصل إلى أطرافها المتيبسة من البرد. ما هم؟ فلتمرض، وليتمزق الحذاء، ولتمش حافية بعد ذلك. هي غائصة حتى الرأس في المشاكل، لن يضيرها أن تنضاف مصيبة أخرى إلى وضعها الكارثي.
تجوب منذ الصباح شوارع بروكسل. منعها الأمن من دخول الحصص. عليها دفع أقساط الشهرين المتأخرين أولاً.
موظفو السفارة يقولون إن عليها مناقشة الأمر مع الجامعة المغربية التي تكفلت ببعثها إلى بروكسل. وعميد الجامعة ينصحها بالاتصال بوزارة المالية. وتليفونات الوزارة لا تجيب.
والدتها في الريف المغربي لا تستطيع أن تفعل شيئًا لها. يكفيها كدها لتوفير لقمة اليوم لإخوتها الصغار.
ربما كان أولئك الذين نصحوها بالاعتذار عن عدم قبول المنحة والبحث عن شغل تصرف منه على عائلتها على حق. وحدهم الميسورون قادرون على متابعة الدراسة في الخارج.
سولانج، زميلتها التي استضافتها في غرفتها الضيقة بعد أن طردت من السكن الجامعي، نصحتها بأن تقصد «مدبر شغل» تذهب إليه هي نفسها كلما اشتدت ضائقتها. «ما سيطلبه منك بسيط، ومسل نوعًا ما. عليك أن ترافقي الزبناء إلى مقهى، أو مرقص، أو أي مكان يختارون السهر فيه. ستأكلين، وتشربين، وترقصين. ستمرحين كما تريدين. أو كما يريدون. لا يهم. الأجر مجز. أؤكد لك».
أبحاثها في الكيمياء التحليلية تبشّر بالخير. تعرف أنها تستطيع أن تصنع شيئًا. يلزمها فقط بعض الوقت وبعض المال.
توقفت قرب واجهة محل، يظللها سقف واق من المطر، ونظرت للمارة المهرولين تحت الزخات. يرتدون ثيابًا دافئة، ويحملون مظلات، ولا يبدون تائهين مثلها.
تعلقت عيناها بعجوز يمشي بتأن.
توقف، وتطلع حوله، والتقت عيناهما.
شعرت بأنه على وشك أن يقع أرضًا. ومدت ذراعها إليه. شكرها وهو يلهث. لم يكن بخير. طلب منها أن تدله على المركز الإسلامي. التفتت حولها، ولمحت عند المنعطف رسم هلال أخضر وقادته إليه.
بدا ممتنًا. أخبرها بأنه أصر أن يأتي بنفسه للمركز رغم وضعه الصحي الحرج. «سأخضع لعملية صعبة غدًا. لديَّ مشاكل في القلب. وأريد أن أدفع زكاتي قبل ذلك. أريد أن أدفعها بنفسي. لا أعلم إن كنت سأحيا بعد العملية أم لا...».
دعت له بالصحة. وسألها عن أحوالها. وحكت له.
لم يدخل إلى المركز. سحب المال الذي يحمله ودسه في يدها. «أنا مطمئن الآن. اللهم تقبل مني. شكرًا يا ابنتي...».
حملقت فيها شانتال بذهول حين علمت بالأمر. وأرادت أن تعرف المزيد عن هذا الدين الذي يمد فيه الغني يده إلى المعوز.

Google News