mena-gmtdmp

الطريق الأبيض ـ 2 ـ


نبدأ الخطو فوق السور من أعلى نقطة، ننزل الدرجات الحجرية المرتفعة عن الحجم الذي اعتدته، توقفت لألقي نظرة على السور الذي يتعرج مع المرتفعات، منحدرا إلى أعلى وصاعدا إلى أعلى، كل جزء فيه مصمم بحيث يحمي الآخر، توقفت قليلا لأستوعب أنني فوق سور الصين العظيم، هأنذا أبلغه، ثمة أماكن تستقر في الذاكرة لكثرة ما قرأنا عنها، تصبح جزءا من خلفيتنا الثقافية، مثل برج إيفل، ناطحات سحاب نيويورك، الأهرام لمن لم يعرفها مباشرة، أتحدث عن المعالم الموجودة بالفعل في عالمنا، بعضها يعيش معنا، وربما نتأثر به حتى وإن لم نره، حتى إذا سمحت الظروف وحلت اللحظة التي نجد أنفسنا عند أحد هذه المعالم، تأخذنا دهشة، وللوهلة الأولى نبدو غير مصدقين، هأنذا فوق السور العظيم، أحاول تثبيت الملامح في الذاكرة، ذلك عندي أهم من التقاط الصور الفوتوغرافية، كما أحاول النفاذ إلى المعنى الكامن، والخفي، مثلا تصميم السور، عمارته، الرؤية التي تحكمه، هل ثمة معان مستترة، بعد مغادرتي المكان أبدأ في استعادته، بعد مفارقتي البلد أو المدينة أو الأثر الذي أزوره أراه مرة أخرى بالذاكرة، وقد أكتشف دلالات لم أرها وقت المثول فيه، إن معرفة الخلفية التاريخية للأثر، للمكان، للعمل الفني تضفي أبعادا ثرية تسهم في مزيد من الفهم والتذوق.

 

ما وراء السور

كل سور يتصل به أمران، الأول تلك المساحة التي يحيط بها، فالسور حد فاصل، وثمة تفاصيل أخرى غير مرئية، إنه تاريخه الماضي، والحكايات المرتبطة به، بدأ تشييد السور العظيم حتى القرن السابع قبل الميلاد، حيث أقامت أسرة تجوو المتأخرة بعض التحصينات على الحدود الشمالية لصد غزوات القبائل البربرية عن الداخل، ثم تبعتها الأسرات والممالك الأخرى، كانت الحصون والقلاع متفرقة إلى أن وصل بينها إمبراطور أسرة تشين الأول الذي بدأ حكمه عام 221 ق.م، يقدر امتداده بأكثر من ستة آلاف كيلو متر، أي ما يقارب عرض المحيط الأطلنطي، لكنه غير متصل، إذ يتوقف بعض المسافات ثم يستمر، كما أنه ليس مرتفعا، الجدران لا يزيد ارتفاعها على أربعة أمتار فقط، لكن المصمم استفاد من ارتفاع التلال الصخرية، السور يتشكل من جدارين يتوسطهما طريق يتسع لمرور الجنود والخيول، وينتهي كل جزء بحصن صغير فوق نقطة مرتفعة، يذكر أن ابن بطوطة في رحلته أنه سأل عن سور الصين العظيم، فأخبروه أنه في مكان بعيد لا يمكن الوصول إليه، ولا أدري هل أراد الصينيون إخفاء السور عنه، خاصة أن الرحالة الطنجي الشهير وصل إلى بكين التي لا تبعد أكثر من مائة كيلو متر عن السور، أم أنه زعم ذلك، إن السور كان معروفا عند العرب، وله أصداء أسطورية تتمثل في السد الذي بناه الإسكندر الأكبر ليمنع أذى قوم يأجوج ومأجوج، وهم شعب لا وجود له، تخيله العرب رمزا للهمجية ومصدرا للتدمير. لقد ولت الممالك والأسر التي أقامت السور العظيم، وبقيت معظم أجزائه شاهدا على فشل كل سو.