mena-gmtdmp

المحيط ـ 1 ـ

حتى لو رجعت اليوم التالي، لن أجد المكان كما تركته، كما عرفته، منذ عامين بالضبط جئت إلى هنا، وركبنا قطارًا فائق السرعة من باريس، وصلنا محطة رينيه  التي تتفرّع منها عدة خطوط، إلى أنحاء مختلفة من مقاطعة بريتياني وغيرها، ما زلت أذكر لحظة نزولنا إلى الرصيف، انتقلنا عبر نفق صغير إلى رصيف آخر حيثُ قطار أقل حجمًا، يتكون من أربع عربات فقط، سرعته أقل، «ماجدة زوجتي»، آني المحررة بدار النشر سوي، خالد المترجم، علا زوجته، بعد نحو ساعة وصلنا محطة سان نازير، تطلّعت حولنا بعد الخروج من مبنى المحطة، باترك في انتظارنا، عرف كيف يجعل من مدينته الصغيرة مركزًا ثقافيًا يموج بالحركة، ها نحن نتأهب لتسلّم جائزة مُنحت لنا مناصفة -أنا وخالد- بعد أشهر قليلة من صدور الترجمة الفرنسية لكتاب التجلّيات.

الجائزة باسم سيدة «لور باتيلون»، كل ما عرفته عنها، أنها ترجمت خورخي لويس بورخيس، ترجمة رائعة إلى الفرنسية، لم أعرف من رصد الجائزة، من يموّلها، فقط أنها تمنح من بلدية سان نازير، في وقت معلوم كل سنة، وبترتيب من باترك دو فيل الروائي النشط.

لا أنسى لحظات اللقاء الأولى والأخيرة بالمدن، لليسار لمحت سفينة ضخمة عند نهاية الطريق، سألت خالد:

-أهذا المحيط؟

قال إنه لا يعرف بالضبط، إنها المرة الأولى التي ينزل فيها المدينة، في هذه المرة كان الفندق وسط المدينة، لا يمكنني تحديد موقعه الآن، لم أستفسر، أحيانا أفضّل بقاء بعض الأمور مجهولة، في دائرة الظل، كم مضى؟ عامان، الفندق الذي نقيم به لم يكن قائمًا، من ثلاثة طوابق، عمارة سابقة التجهيز، لونان تتبادلهما الواجهة، الأخضر والأبيض.

الشرفة تطل على المبنى الخراساني هائل الحجم، الذي حيّرني وما زال، عندما وصلنا إليه ليلة تسلم الجائزة، استفسرت من باترك:

-هل يطل على المحيط؟

هز رأسه نفيًا، قال إنه مبني على خليج ينتهي عند المحيط، إنه أهم قاعدة غوّاصات غرب أوروبا، أشار إلى الجدران الضخمة، قال إنه بذلت محاولات عديدة لهدمه بعد انتهاء الحرب، كلها باءت بالفشل، منذ سنوات قليلة لا تتجاوز الخمس، تقرر تحويل جزء منه إلى خدمة المراكز الثقافية.

مضى منحنيًا دون أن يدلني على الاتجاه الذي يجب أن أمضي من خلاله، لأنتهي إلى شاطئ المحيط، يشغلني اللامدى، الأفق المفتوح، أول مرة وقفت عند حده، كان ذلك في الرباط، قرب باب الوداية، صخور ضخمة يتكسر عليها الموج الوافد من حيثُ لا أعلم، لم أفارق حتى اكتمل الغروب، نزول قوس الشمس عند الخط الذي تلتقي فيه السماء بالماء، مجيء الليل يلغي الحدود والفوارق، يصهر الموجودات في بعضها البعض، لن أنسى تحديقي، كأني أستعيد وقفتي بعيني آخر كان يرقبني، كثيرًا ما رصدت مغيب الشمس من شواطئ البحار، من قلب البحر، رغم أن الماء موصول بالماء، إلا أن هذا بحر، وذاك محيط، توالى بعد ذلك وقوفي على شاطئ المحيط من البرتغال، إلى أن عبرته في اتجاه المكسيك، لم أدر يومئذ أنني سأدنو من حدّه، لأتطلع إلى الناحية الأخرى متسائلا إلى أي وجهة أولّي بالضبط، أولّي ليكون بيني وبين ابني وابنتي خط مستقيم متوهم، كلاهما يسعيان الآن في نيويورك.