mena-gmtdmp

النقيضان


مثل كل إنسان أتفاءل، والتفاؤل نقيض التشاؤم، وكلاهما مرتبط بالخشية من المجهول الآتي، إما تحسبًا أو أملاً في وقوع المستحب، عرفت التفاؤل في نفسي وقت تعرفي على التشاؤم، وأقدم صوره عندي مصدرها أمي -رحمها الله- عندما كانت تقطب قائلة: ربنا يُستر؛ لأن عيني ترفُّ، هذا يعني العين اليسرى، فإذا رفَّت أي ارتعشت فيما يشبه الخفقات المتوالية يكون ذلك نذير شؤم يؤدي إلى التوجس والحذر من الإِقدام على أفعال مختلفة، وقد يلزم البعض أماكنهم، فيعدلون عن السفر بعد العزم، لا يخرجون إلى السوق، حتى إذا وقع أمر معين مهما كان تافهًا أو صغيرًا، بدءًا من انسكاب بعض الماء إلى اشتعال طرف ثوب قديم، هذا يعني وقوع المتوقع بسبب علامة رفَّة العين اليسرى، أما إذا بدأت الرعشة في اليمين، فهذا يعني توقع أمر حسن، أمر يكون مصدرًا للخير، أو رزقًا غير متوقع، أو تمام وِفادة مولود يقضي أيامه الأخيرة في الرحم، باختصار كل ما هو حسن، رفيف العين اليمنى يعني توقع الأفضل، وهذا ما نعرفه بالتفاؤل، هذا ما عرفته من أمي التي كانت ملامح وجهها تتغير طبقًا لمصدر الرفيف، انتقل هذا إليَّ، ما زلت حتى الآن وبعد كل ما قرأته واستوعبته، إذا رفت عيني اليُسرى أحذر وأنقبض، وإذا تحركت اليمنى أنبسط وأتوقع خيرًا، يحدث هذا في مواجهة المجهول وبعد حدوثه نتوقع، ولابد أن نجد مبررًا ما لكي نتجاوز الحالة، نلاحظ أن ما يصدر بخصوص الحالين يجيء من حال الخوف والخشية من المجهول الآتي الذي لا نعلمه، فمهما بلغت القدرة على التنبؤ يظل القادم غامضًا، ليس على مستوى الأفكار والأحوال غير الملموسة، إنما على المستوى المادي أيضا، إنه المجهول، ما يلحق بالإنسان ضرًّا أو نفعًا، ارتباط ذلك عند المصريين برفيف العين يؤكد ما أقول.

كان الناس وما زالوا يعتقدون بقوة العين على إلحاق الأذى أو النفع؛ لذلك كانت ترسم على مداخل البيوت عين وحيدة يخترقها سهم، إنها فكرة منحدرة من العصور القديمة، حيثُ تقول الأسطورة عن «ست» رمز الشر خلال صراعه مع «أوزير» رمز الخير والنماء تمكن من عينه ومزقها إلى تسع قطع، غير أن الزوجة الوفية ورمز الأمومة تمكنت من جمع الأعضاء مرة أخرى وتركيبها، أصبحت تعرف بـ «واجيت»، اعتبرت رمزًا للحماية، من هنا ارتبطت العين في الموروث الشعبي بالتفاؤل (رفيف اليمنى) والتشاؤم (رفيف اليسرى).

 للتفاؤل مصادر في عناصر الوجود، من ذلك الألوان، وعلاقتي بالألوان وطيدة منذ أن درست فن السجاد، وصباغة الخيوط؛ لأن منْ ينسج الخيوط يلوِّنها أيضًا، اللون الذي يثير تفاؤلي الأزرق السماوي، أي الأزرق الذي يمتزج به الضوء، اللون يوحي باللانهائية، بالأبدية، بالأقوى، اللاحدود، هذا الإحساس بالمطلق ربما يكون مصدر تفاؤلي، كذلك اللون الأخضر، واللون الياقوتي، ربما يبدو الأخضر ملائمًا للتفاؤل، وقد يبدو الياقوتي غريبًا، فهو مزيج من اللون الأحمر والأسود، يميل إلى القتامة، لكنه رغم ذلك من مستثيرات التفاؤل عندي، أيضا الأصوات، خاصة ما يصدر عن الطيور يثير تفاؤلي، حتى صوت الغراب، ولا يمكنني الجزم بما أسمعه من البوم؛ لأنه لم يتردد على مسمعي كثيرًا.

من أكثر عناصر الحياة في مصر بروزًا ما يتعلق بالنقيضين: التفاؤل والتشاؤم.

يطلق المصريون على مواليدهم أسماء مثل: سعد وبخيت، ويتشاءمون من الأسماء القبيحة مثل: «صعب»، ويتشاءمون من اللون الأسود، ويطلقون عليه نقيض البياض، ولعتبة البيوت دور كبير في التفاؤل، عند دخول البيت يستحسن دخوله بالقدم اليمنى، أو رش الماء على المداخل ومثل هذا كثير، وفي معظم الأحيان أنتبه إلى ما أفعل وأقدم عليه بتلقائية، إنه ميراث ومضمون إنساني يتصل بما نجهل وما لا نعرف.