مرة أخرى، يمر قرب واجهة المبنى، وينظر إليَّ.
عيناه الدافئتان تحملقان فيَّ، تتحدثان، تقولان كلامًا رقيقًا، لا يسمعه سوى قلبي المتحفز بين ضلوعي، قلبي الراقص الذي يذوب كقطعة سكر تحت فيض المشاعر التي تغمرني.
أبتسم له. ويشرق وجهه الوسيم. ويفتر ثغره عن ابتسامة واسعة يضيء لها العالم من حوله، ومن حولي، وأشعر بأن سحابة وردية حملتني إلى سماوات لا يراها غيري. وأطير، أطير، ولا أستفيق إلا على رنين الهاتف الداخلي المزعج.
هو؟ رجل جذاب لم أرَ من قبل مثيلاً له إلا على صفحات المجلات الصقيلة، أو على شاشات التلفاز والسينما. رجل بالغ الطول، ممشوق الجسم، جميل القسمات، أنيق الملبس. يمر كل يوم أمام واجهة المبنى الذي أعمل فيه. يحمل حقيبة أوراق سوداء. يضرب الأرض بحذائه اللامع، ولا يبدو أنه يمشي، بل يتزحلق، أو يطير.
انتبهت إليه منذ أيام. منذ افتتاح مبنانا الجديد بالتحديد. كان مارًا في طريقه. وكنت أسند خدي على يدي، وأفكر في أن عليَّ أن أبحث عن عمل آخر. ضجرت من الوقوف في مكتب الاستقبال. أحلم بشيء آخر. مهام محفزة أكثر، ودخل يتناسب مع الساعات الطويلة التي أقضيها في الشركة.
التفت فجأة للواجهة الجديدة، ونظرت إليه، والتقت أعيننا، وحدث شيء ما.
من يومها، لم يمر أمامي دون أن يلتفت إليَّ، ويغمرني بنظراته الدافئة، ويبتسم لي، وتملأ وجهه علامات الرضا والإعجاب، ويمضي وقلبي يخفق خلفه.
من يومها لم أتأخر على عملي في الصباح دقيقة واحدة. أكون في الموعد دائمًا، أترقب مروره، وأتخيل ما سيقوله عن زينتي، ولباسي، وقصة شعري الجديدة التي نفذتها لأجل خاطر عينيه.
أترقب اللحظة التي سيتجرأ فيها على الدخول إلى المبنى، والتحدث معي. أتوقعها كل يوم. وأحاول أن أستعد لها.
عليَّ أن أترزن، ولا أبدي له من الضعف ما يجعله يستسهلني. عليه أن يلقى بعض العناء قبل أن يطمئن إلى تجاوبي مع مشاعره.
أرّقني الموضوع، تخيلت مختلف سيناريوهات لحظة التعارف، وحاولت أن أدرّب نفسي على ردود أفعال تناسب كل سيناريو. سهرت ليالي متواصلة وأنا أقلّب الأمر، وأفكر، وأستعد.
وحدث ذات صباح ما كنت أخشاه.
لم أنل كفايتي من النوم، وتأخرت على عملي.
جنّ جنوني وأنا أستعجل سائق سيارة الأجرة ليوصلني إلى مبنى الشركة قبل مرور شاغل بالي. تملكني شعور مخيف بأنه سيحاول التحدث معي اليوم بالتحديد. ولن يجدني.
قفزت من السيارة إلى المبنى، ورأيته.
كان بالفعل يمر أمام الواجهة الزجاجية، وكان ينظر لمكتب الاستقبال، حيث لا يوجد أحد.
كان يحملق كعادته، ويبتسم بود وإعجاب.
اقتربت منه. شعر بحركتي والتفت إليَّ دون أن يبدو أنه رآني، وعاد إلى الواجهة يبتسم لها، ويرتب خصلاته.
تملكني الشك. نظرت بدوري للواجهة. واكتشفت أنها تبدو من الخارج مرآة عملاقة تعكس للمارة صورهم!

Google News