كثر منا يعرف أناسًا يعيشون على الجهة
الصحيحة في قارب الحياة، كل شئون حياتهم تبدو ممتازة ورائعة، يشغلون وظائف مرموقة،
يتمتعون بصحة جيدة، علاقاتهم بالآخرين على أحسن ما يكون، تشعر إذا لقيتهم بأنهم
متوجون بتاج السعادة، وأنهم منسجمون مع كل شيء في الكون الذي يعيشون فيه.
وعلى الجانب الآخر، نعرف آخرين يبدو لنا أنهم قد وقعت قرعتهم على الجهة الخاطئة في قارب الحياة، تمر عليهم أوقات تتجمع عندهم كل المآسي والأحزان، وكأن كل شيء في الكون يعمل ضدهم، وكأن الخير الذي يبحثون عنه قد سافر بعيدًا في إجازة طويلة، لا يعرف أحد متى يعود منها، وكلما بذل هؤلاء مزيدًا من الجهد ابتعدوا أكثر عن الصحة، وعن السعادة، وعن النجاح!
قرأت في بعض الكتب أن الحواريين خرجوا يومًا في قارب للصيد، وبعد عناء ليلة ممطرة عاصفة باردة طويلة عادوا إلى الشاطئ صفر اليدين، لم يمكنهم حظهم من اصطياد سمكة واحدة، وبينما هم يندبون حظهم، ويستعدون لمغادرة القارب لقاهم المسيح عيسى عليه السلام. حيّاه الحواريون وشكوا له حظهم العاثر، فطلب منهم أن يعودوا إلى البحر من جديد، وأن يحاولوا إلقاء الشبك من الجهة الأخرى الصحيحة من القارب، فعاد الحواريون من جديد طاعة للمسيح عليه السلام، وألقوا شباكهم من حيثُ أمرهم، وما هي إلا لحظات قليلة، وكانت شباكهم قد امتلأت بالصيد، ولم يعودوا قادرين على سحبها من كثرة ما فيها من السمك.
كما أن هناك جهة صحيحة لإلقاء الشبك من قارب الصيد، هناك أيضا جهة صحيحة لإلقاء الشبك من قارب الحياة، فما هي تلك الجهة الصحيحة؟
هل لاحظتِ أبدًا أنكِ حين تقترفين غشًّا، أو كذبًا، أو حين تتخلين عن صديق يطلب المساندة أو المساعدة، وتتأملين نفسك بعد ذلك وما صنعت يداكِ، هل لاحظتِ أن شيئًا ما في صدرك يقلقكِ، كما لو كان منبهًا مزعجًا قد بدأ يطلق صفاراته، وأنتِ نائمة في منتصف الليل؟ كيف يكون شعورك حين يصل إلى مسامع هذا الصديق الذي تخليتِ عنه وقت شدته ما فعلتِه معه؟ ماذا لو علم باقي أصدقائك بما صنعتِ؟ ماذا لو أن أهم إنسان في حياتك اكتشف أنك قد تخليتِ عنه؟
إن إخفاء أفعال تنم عن القسوة والأنانية ونقص الحب، وعدم العناية أو الرعاية، إن إخفاء مثل هذه المشاعر والأفعال عميقًا داخل النفس لا يجعلها تختفي، ولكنها تنمو كما تنمو البذرة السيئة حين ندفنها في باطن الأرض، وسرعان ما تظهر آلام الشعور بالذنب والخزي والعار وتأنيب الضمير، حتى لو لم يعلم أحد، فإن هذه المشاعر السيئة تحيطك كما لو كنت قد صرتِ مسكونة بالعفاريت والجان.
للأسف الشديد.. هذه المشاعر السيئة لا تذهب وحدها، ولا تختفي مع الوقت، ولكنها تتراكم، وتذهب أي فرصة للشعور بالراحة أو السعادة حتى يأتي الوقت الذي تستعدين فيه؛ لعقد مصالحة مع النفس.
الصلح مع الله، والصلح مع النفس، والصلح مع الناس، هو الجهة الصحيحة في قارب الحياة، هو العهد بالالتزام أن تعيشي بالأعمال التي تعتزين بها، سواء اختار منْ يعيشون حولك أن يعيشوا بها أو بغيرها، تذكَّري أن هذا الصلح هو المفتاح الذي يفتح لكِ طريق الصحة والسعادة والثقة بالنفس والحياة المطمئنة في الدنيا والآخرة.

Google News