
ها هو طائرنا يحطّ بنا في مطار «أوكلاند» الدولي، بعد أن توقفت لعدة ساعات في محطة «سنغافورة»، وبعد تحليق ما يقارب اليوم أو أقلّ، بعيدًا عن إغماض الجفن، وإبحارًا بين الكتب والأفلام، وبعض الموسيقى عند مداعبة القلم للحروف، ليضعني في أول محطة من محطات رحلتي، حيثُ الشعب المختلف، والقانون المغاير، حيثُ المسافرون المصطفون بنظام ودقة، بعيدًا عن الفوضى «العربية»!، أقلّني سائق التاكسي القادم من أفريقيا، والحامل لمرحه الأفريقي، والذي كان يعتقد أنني من سكان «إيطاليا» الرائعة، التي سأزورها يومًا، والشغوف بالحضارات العربية والإسلامية، فبات يغرقني بسيل جارف من الأسئلة بعد أن عرّفته بنفسي، وذلك قبل أن أصل إلى سكن صاحبي الذي ينتظرني.
لحسن حظي، أو لسوئه، كان وصولي يوم الجمعة، ولأن صاحبي لم يراعِ الرخص الإسلامية في السفر، فقد اصطحبني إلى المسجد مباشرة، وحتى قبل أن أستريح، أو أقوم بتبديل ملابسي!
مرّ سيناريو الخروج مع صاحبي سريعًا، بداية من الصلاة، ومرورًا بالوقوف ضمن تجمع للمسلمين «وخاصة الخليجيين»، ونهاية بدعوته لي على الغداء في ذلك المطعم الهندي، كل ذلك لأنني كنت مرهقًا، فلا تعني لي كل التفاصيل المحيطة، ولا الثقافة المختلفة، ولا الديانات المتنوعة، ولا حتى الشقراوات ذوات العيون الزرقاء!
شغفي للبدء والانخراط، جعل من عطلة نهاية ذلك الأسبوع ثقيلة عليّ، وعلى الرغم من ذلك لم أستسلم للانتظار، فلستُ من عشاقه، لأُقحم نفسي في دائرة الاكتشاف، والتفنن في معرفة دهاليز المنطقة، لأخرج كل صباح، حاملاً «كاميرا»، وفضولاً قد قادني للحضور إلى أواخر المستديرة.
جاء اليوم الدراسي الأول، كنت حاضرًا بكل نشاطي، وحماسي، وطموحي، في فصل ممتزج من الجنسين، في بيئة تعليمية مختلفة، وبروح معلمين ومعلمات مغايرة، حيثُ روح الفريق الحاضرة، وابتسامة الأستاذ الملازمة، «روبي» الذي قذف بي في حقل المقارنات غير المنصف، مع معلمين توافدوا عليّ بمختلف مراحلي التعليمية، رغم احترافية القلة منهم، أتذكر كيف يبعث في دواخلنا الثقة، يكسر حاجز التردد الذي زرعه بنا السابقون!، أتذكر انحناءاته بتواضع، ووقوفه على ركبتيه أملاً في إيصال المعلومة، بعيدًا عن تصنيفات المعلم والمتعلم، وعبارته لي «لا تخف فكل شيء بسيط»، ثم يردد بلغته العربية المحصورة بعدة كلمات: «اجتهد، اجتهد».
كان اليوم الأول كفيلاً بإشعال فتيل الحماس، وزيادة النار المشتعلة آنفًا، فابتسامات مدرسي، وترحيب الإدارة بي، وروح زملائي، ساهمت بارتفاع معدل التفاؤل، والإقدام بلا تردد.
وعلى هامش أيامي الأولى، بهرني تعامل ذلك البنك معي، فبعد أن تأخرت بطاقتي المصرفية ليوم واحد، قرر منحي حسابًا بنكيًّا مجانًا، نظير الخلل الذي أدى لتأخير بطاقتي ليوم واحد! والمضحك المُبكي في الأمر، أنه قبل سفري علّق أحد البنوك حسابي لمدة ثلاثة أيام، غير مُكترث باتصالاتي ونداءاتي.. حقًّا الطبول الفارغة مزعجة بلا فائدة!
كل الأمور كانت تسير كما هو مخطط لها، وبتطور من جميل لأجمل، بيد أن الأمر الوحيد الذي كان يُؤرقني، هو البحث عن عائلة «نيوزلندية» للسكن معها، كانت العائلات كثيرة، غير أن اشتراطي لبعض الأمور، أسهم في تأخير الحصول على مأوى مناسب حسب ما أريد.
وسيفصلني المقال القادم في كيفية الحصول على العائلة المناسبة، وكيف كان اليوم الأول لديها، مع تفاصيل أخرى.
إلى اللقاء.

Google News