mena-gmtdmp

لم أكن أحب الآثار

التحقت بكلية الحقوق وكان عمري لا يتجاوز الخامسة عشرة، ولكني لم أحبها فذهبت إلى كلية الآداب، فقالوا لي: إن هناك قسماً للآثار، فالتحقت به، ودرست الآثار اليونانية والرومانية، وتخرجت في الكلية، وأنا لا أحب الآثار، ثم ذهبت للعمل بالهيئة العامة للآثار، فوجئت بالحقد بين الأثريين في الهيئة، وكل واحد يقدم شكوى في زميله، كانوا يكيدون لبعضهم البعض، شعرت بالملل والضيق، فحاولت وقتها الالتحاق بالعمل في الوزارة «وزارة الخارجية»، إلا أنني رسبت في الامتحان الشفوي، لكن الدكتور جمال مختار، عالم الآثار، أرسلني للعمل في حفائر البحيرة، وبقيت هناك لمدة 7 سنوات، حيث كنت متضرراً من العمل في الحفائر، لذا كنت أجلس في خيمتي معظم الوقت، وأنتظر يوم الخميس، حتى أقضي الإجازة بعيداً عن المكان، قابلت وقتها شخصاً يدعى «ريس دكتور» وهو رجل أمي، لكنه خبير في فنون الحفائر، أخذني ريِّس دكتور معه إلى إحدى المقابر، وكان بداخلها تمثال، وعلمني كيف أنظف التمثال بالفرشاة من الرمال، وأثناء تنظيفي لهذا التمثال وجدت حبي للآثار، وعشقي لها، لدرجة أنني ذهبت مؤخراً إلى المتحف المصري، بحثاً عن التمثال الذي غير حياتي كلها حتى ألتقط معه صورة.

حصلت على منحة «فولبرايت» للدراسة في الولايات المتحدة، وليس لأحد الفضل في تعليمي أو الحصول على هذه المنحة سوى الله، وبموجبها درست 7 سنوات في بنسلفانيا، وتعلمت جيداً، وعدت لخدمة بلدي، فوضعت قانوناً لتنظيم العمل الأثري، وحددت عمل البعثات الأجنبية، وأصبح لدينا لأول مرة أثريون مصريون يقومون بأعمال الحفائر، وكنت أنا أول أثري مصري يحفر في وادي الملوك، في نوفمبر من العام الماضي، بعد اكتشاف 63 مقبرة عن طريق الأجانب، حتى بعد جلاء الإنجليز عام 1952م، فالأجانب كانوا يبحثون عن الشهرة من خلال اكتشاف مقابر الملوك، ويتركون الترميم والصيانة للمصريين.

وفي وادي المومياوات الذهبية اشتركت في أول بعثة أثرية منظمة، وقضيت مواسم الحفائر هناك، وفي أحد الأيام نزلت تحت الأرض، وكان معي لمبة وفأس، وأثناء عملي كسرت اللمبة فصعقتني الكهرباء، وسقطت على الأرض مغشياً عليّ لمدة دقيقة، وعندما أفقت قلت: لو كنت ميتاً لاعتقد الناس أن السبب لعنة الفراعنة.

من أهم ذكرياتي أنني كل مرة أتوجه لفتح تابوت جديد أنام مبكراً، فتراودني أحلام وكوابيس حول التابوت والمومياء الموجودة به.

صعودي حجرات الهرم الأكبر مازال يحمل ذكرى لذيذة في قلبي، نظراً لصعوبة الصعود إلى الحجرات، وفي كل مرة كنت أصعد الهرم أشعر بأنني لن أستطيع النزول منه مرة ثانية، لكنها أصبحت مغامرة لذيذة.

أسوأ شيء في الآثار هي الضغينة والحقد بين الأثريين، فمنذ أن عملت في الآثار لأول مرة، وأنا أرى الأحقاد بين العاملين، وضدي، حتى أن أحد رؤسائي في الآثار كلف شخصاً بمراقبتي في العمل منذ اليوم الأول، لذا عاهدت نفسي على البعد عن الصراعات والمعارك، وعدم التورط فيها إلا دفاعاً عن النفس، وأتذكر أن الأمر وصل إلى حد الاستقالة من الهيئة بسبب رئيس الهيئة وبعض العاملين، وبعد الاستقالة ذهبت إلى الولايات المتحدة، وعملت مدرساً للآثار في لوس أنجلوس، فكانت أحلى أيام حياتي قضيتها هناك، حيث اعتدت على أن أحول الشدائد إلى أمور جيدة، وبعد أن عدت مرة ثانية إلى الهيئة لم أفكر في الذين حقدوا عليَّ، لذا أمارس عملي وكتاباتي في كل الأوقات، ورغم كل المؤامرات التي حيكت ضدي، إلا أنني أصدرت 24 كتاباً، أقل كتاب تمت ترجمته إلى 5 لغات، وبعضها ترجم إلى 15 لغة.

 

من طاقية بيضاء إلى قبعة الخواجات

عندما بدأت العمل في الآثار كنت أرتدي طاقية بيضاء، مثل طواقي الفلاحين، وكانت تنزل على جبهتي عندما أعرق، ويصبح منظرها قبيحاً، لكنني في إحدى زياراتي للولايات المتحدة وجدت طاقية أسترالية أعجبتني، فلبستها منذ 20 عاماً، وكانت تلك الطاقية بشرى السعد عليَّ، فكلما ارتديتها اكتشفت شيئاً جديداً، حتى أن الناس المقربين مني أصبحوا مولعين بالطاقية، ويريدون اقتناءها، حتى أن المخرج «جورج لوكاس» مخترع شخصية «إينديانا جونز» مخرج سلسلة أفلام «حرب النجوم»، وأغنى سينمائي في العالم، جاء إلى مصر بطائرته الخاصة، واشترط على شركة السياحة ترتيب لقاء معي، وعندما قابلني على العشاء قال لي: إن الطاقية التي أرتديها أصبحت أشهر من طاقية النجم السينمائي هارسون فورد. فقلت له إنني عندما ارتديتها لم أكن قد شاهدت أفلام هذا النجم بعد، وإن كانت صحيفة واشنطن بوست قد كتبت عني إنني الأثري الحقيقي الذي أستخدم طاقية في غرض نبيل.

 

للتفاعل مع الكاتب عبر sms أرسلوا: سيدتي ثم فراغ ثم الرسالة إلى الرقم: 80833 (السعودية)