«دعوني من خزعبلاتكم. أريد أن أشم بعض الهواء...»
صاح بوربيع ضاحكًا في وجه رفاقه، وقام بخفة يرفع ياقة معطفه القديم، ويمد يده إلى عصاه الغليظة قرب الباب.
«حذار. ستدق الساعة الثانية عشرة بعد قليل...»
«والجو عاصف. لو كنت مكانك لما ابتعدت...»
لوح بيسراه مستهزئًا. هؤلاء الصغار لا يصلحون لشيء. لا يمكن الاعتماد عليهم. لا يدري كيف شغلوهم.
فتح الباب وصفعته لفحة هواء باردة. تقدم تحت الزخات الثقيلة، وعصاه تطرق الأرض أمامه. الساحة مهجورة. صوت الأمواج الهادرة يصله، ورذاذ انكسارها عند الحاجز الحجري القريب يكاد يلمسه. أضواء الميناء منارة. وصفوف السفن المتقابلة في الجهة الأخرى تلوح كلعب أطفال عملاقة تهزها الريح يمين شمال. تنحنح ومضغ بقايا نعناع علقت بأسنانه. الملاعين. تركوه يخرج في هذا الجو. لم يخطر ببال أي منهم أن يتطوع ليقوم بالمهمة مكانه.
تبلل الشال الصوفي الذي يلف به رأسه. سيمرض. ولن يكون ذلك في صالحه. ألمح مسؤول الحراسة إلى كبر سنه. لا يريد أن يجبروه على مغادرة الميناء.
لن يقدر على العيش بعيدًا عنه.
قادته خطواته إلى الطرف الثاني من الساحة المطلة على المرسى. الريح تكاد تطوح به، والمطر يثقل مشيته. أي مجنون سيفكر في التجول ليلاً في هذا الجو؟ أي لص؟ بل أي شبح؟ انفرجت شفتاه اللتان ازرقتا من البرد وهو يتذكر حديث الحراس. مخلوقات آتية من عوالم أخرى تتجول في الميناء، وتختطف تعساء الحظ الذين تجدهم في طريقها. حقًّا! أين هي هذه الكائنات التي يحلو لها التجمد بردًا في منتصف الليل؟
مد يده ليمسح البلل عن وجهه، وحملق غير مصدق في المخلوق الطويل العريض الذي انتصب فجأة أمامه.
تجمد الدم في عروقه. الطول لا يقاس، والعرض أيضًا، والشعر المبلل يغطي الوجه والكتفين، والعينان تبرقان، واليد التي لم ير أضخم منها في حياته ترتفع وتشير أصابعها الغليظة إلى الفم الذي فتح فجأة، ولم يغلق.
يريد المخلوق أن يأكله.
فهم المعنى، ودارت الدنيا من حوله.
الرائحة. شيء قلب أمعاءه. شعر برغبة في إفراغها. فتح عينيه ووجد نفسه في غرفة الحراسة، وحوله زملاؤه الشباب.
فتح فمه ليسأل، وتبادلوا الابتسامات، وأشار أحدهم بذقنه إلى ركن المائدة، حيث جلس... المخلوق الذي أفزعه، يلتهم خبزًا ومرقًا.
«حذرناك يا عم بوربيع، أليس كذلك؟ الجو لا ينذر بالخير...»
انفجروا ضاحكين. وتطوع أحدهم ليشرح له. «تبعناك، ورأيناك تقع أرضًا، وساعدنا الأجنبي على حملك. في الحقيقة، حملك وحده، فهو ما شاء الله كما ترى. هرقل زمانه. المسكين يموت من الجوع. أتى من السفينة الأوكرانية المهجورة هناك. أتتذكرها؟ تخلى مالكوها عنها وبقي بحارتها بلا مال ولا معين...»
تنهد. شعر بالغباء. وأحس بثقل سنيِّه الستين فجأة.

Google News