إلى ابتسام لطفي.. قمراً حجازياً
(1)
كل مجتمع حضاري له منجزاته المختلفة، كالمنجزات العينية والمادية والعضلية ذات الخلايا الصلبة: كالأبنية والطرق والمصانع والميادين.. إلخ، الناتجة عن المنجزات المعنوية والذهنية والحسية ذات الخلايا الرخوة في حقول المعرفة والعلوم والثقافة والإبداع، فكل هذه المنجزات تعزز من تجربة أي مجتمع حضاري اختار لحظة من التاريخ ليكون فيها.
وهذا ما يجعلنا نطرح تساؤلاً قد يكون كبيراً نوعاً ما، ولكنه ممكن: متى نضع موسوعة للغناء السعودي؟
نعم، متى نضع موسوعة لذاكرتنا القوية والحيوية ذات الحضور اليومي والذوقي من نصوص الأدب، شعراً، والموسيقى، أداء ولحناً، وحنجرة الإنسان، صوتاً وحساً؟.
(2)
إن محاولة قراءة ذاكرة الأغنية السعودية لا تتم إلا عبر مسح جغرافي واثنوغرافي، يراعي في تلمس مصادر الأغنية السعودية ومرجعياتها المكانية والثقافية، عبر تلك التنوعات في تضاريس بلادنا في كل جهاتها، من الشرق إلى الغرب، والشمال إلى الجنوب، وملامح البيئات المختلفة والثرية في موروثها الغنائي، من شعر وألحان، من الصحراوي/ البدوي، والريفي/ القروي، والجبلي/ القروي، والبحري/ الساحلي.
إن المسألة باتت ملحة في إعادة وضع هذه الأنماط الغنائية، بعناصرها الشعرية واللحنية، موضع الدراسات الاجتماعية بكل مهاراتها، لتقرأ في حالة جديدة غير ما يبقيها رهن ذاكرة شفوية تنسى منها أكثر ما تذكر.. وربما يتوجب علينا التفكير بالتحول العميق نتيجة لمتغيرات سياسية واقتصادية، أثرت على السياق الاجتماعي وتكيف معها ضرورة متطلب العيش، فهددت أو قضت على فنون تؤدى بعمل لم يعد يعمل به، ومناسبة ربما أبدلتها الظروف الاجتماعية بغيرها، مثل فن المجرور والدان، الذي حمله مغنو مكة والمدينة: عبد الرحمن مؤذن، محمد علي سندي، حسن جاوة، سعيد أبو خشبة وسواهم، حيث يذكر في التاريخ عن تسجيل الشريف هاشم العبدلي لأعمال حجازية ضمن محفوظات مؤتمر الموسيقى العربية - 1932، ويوازيهم في الكويت والبحرين: عبد اللطيف الكويتي، وعبد الله فضالة، وضاحي بن وليد، ومحمد بن فارس، كذلك في اليمن محمد جمعة خان، وأبو بكر باشراحيل.
ولعلنا نفكر في لحظة منتصف القرن عن بداية حراك سياسي طال أثره الاقتصادي والاجتماعي والديني بانتقال أهل الريف/ القرى إلى المدن، وتوطين البادية وإعادة توسعة المدن بحاراتها، لتظهر أنماط غنائية هجينة بين صدمة القروي بالمدينة والعكس، وهذه اللحظة أظهرت لنا تياراً غنائياً انطلق من بعض الحارات، ليبدل غناء الجماعة بالفرد، ولتكون التجربة الغنائية ذات حميمية وبساطة: فوزي محسون في الحجاز بجدة، وسلامة العبد الله في نجد بالرياض، ولعل هذين الاسمين أمثلة عن ظهور شخصيات أخرى بدت واضحة بين الستينيات إلى منتصف الثمانينيات فاعلة، لكنها تتوارى في حدود الأمكنة الصغيرة حتى وإن خرج عن حدود الحارة.
على أن التأسيس الذي بدا في مدينة الطائف للموسيقى العسكرية نهاية الأربعينيات ومطالع الخمسينيات، بيد طارق عبد الحكيم، الذي حمل مسؤولية إرث، يقابله جهد تنويري لوضع أغنية سعودية، لا تنقطع عن مصادرها، لكن متطلعة إلى التعبير عن زمنها، واعية بمدى من التحولات كان في إرهاصاته يبدو غير متضح، وإنما كان يمضي في طريق تتضافر فيه مجالات عدة، بدت منذ تأسيس فرقة الموسيقى العسكرية – 1953، وفرقة الإذاعة ـ 1961.

Google News