قال لي الياباني، الذي لم أستطع أن أحفظ اسمه، إنه يعلم أنني من كتب مداخلات الآنسة أمجاد، وطلب أن ألقى الوفد في الفندق في الثامنة مساء.. لم يعدني بشيء، لكنني أحسست بأنني قاب قوسين أو أدنى من الوظيفة.
لم أسع إليها.. لم أحلم بها حتى.. سارت الأمور بشكل مثير.. فاجأني أنا قبل أن يفاجئ السيد المدير.
صباح الأربعاء الأول من سبتمبر، حل ممثلو الشركة اليابانية العملاقة التي نستورد آليات البناء الثقيلة منها ضيوفا علينا.. الفورة العمرانية التي يشهدها الجنوب تسيل لعابهم.. عرضوا علينا آخر ما أنتجته مصانع طوكيو وأوساكا وناجويا، وقدموا لنا أسعارا تفضيلية، ووقعنا معهم العقود المطلوبة، وسار كل شيء على ما يرام، إلى أن قدم رئيس الوفد عرضه المذهل إلى الآنسة أمجاد، ابنة المدير.. دراساتها التقييمية لاحتياجات السوق المحلية، وتحليلها لنسب ملاءمة كل فئة من فئات المنتوج المعروض لورشات البناء القائمة أثارت انتباهه، فعرض عليها العمل لحساب الشركة.. تضمن العرض تحفيزات مالية مغرية، وأسفارا وتنقلات في كل بلاد الدنيا، وإمكانية جادة لبلوغ مناصب رفيعة.. لم تتردد.. ناقشت العرض مع الوفد، وأثيرت نقاط محددة في المداخلات التي قدمتها، ولم تكن أمامها أوراق تراجعها، وفهم الياباني أن أحدًا غيرها أنجز الدراسات.
لم يلزمه الكثير من الوقت للوصول إليّ.. كرر العرض، وأخبرته بأنني سأفكر، وأرد عليه.
جن جنون المدير حين علم بالأمر، وبعث إليّ يحذرني من سحب البساط من تحت قدمي ابنته العزيزة.. لا حق لي في الوظيفة التي عرضت عليها.. وإن فكرت في العكس فما عليّ سوى أن أقرأ الفاتحة على مستقبلي المهني.. سيسخر كل وساطاته ومعارفه لتحويل عملي إلى جحيم.. كان يصرخ بنبرة واثقة، ويضرب بيديه بعنف على الطاولة.. قررت حين بلغت به الهستيريا حد نعتي بأوصاف مهينة أن أوقع العقد مع اليابانيين وألقن هذا الطاغية درسًا.. لن يدعني في سلام حتى لو أذعنت لأوامره.
بدا اليابانيون راضين عن لقائنا.. سألوا عن الجامعة التي درست فيها، وأرادوا أن يعرفوا لماذا لم أقدم دراساتي بنفسي.. صارحتهم بأنني أحصل على أجر إضافي لقاء كل تقرير يأمرني المدير بإنجازه.. قالوا إن عليّ أن أتوقف عن ذلك، ووعدتهم خيرًا، واتفقنا.
تقرر أن أستلم وظيفة مؤقتة في مركز الشركة في الدار البيضاء.. علي أن أتكيف مع طريقة العمل وأساليب التنسيق بين المكاتب الموزعة في ربوع المملكة.. بعدها سأنتقل إلى تونس العاصمة، لأعمل في قسم التقييم والمطابقة الذي يغطي أعمال الشركة في مجموع المغرب العربي.. وإن رضوا عن عملي، سيوسعون رقعة نشاطي في القارة السمراء.
حططت الرحال في الدار البيضاء، وبدأت أبحث عن سكن قريب من مكان شغلي.. ولم أجد شيئًا.. العمارات التي طرقت أبوابها ملأى عن آخرها.. هكذا قيل لي.. ولم أرتب في الأمر.. هذه البنايات التي شيدتها شركات عقار خاصة لتغطية طلبات الموظفين تعرف إقبالاً كبيرًا.. استقررت في الفندق، وانشغلت بأمر آخر مهم جدًّا؛ تحضير ملفي الإداري لترسيم وظيفتي الجديدة.. وجدت عناءً كبيرًا في جمع الوثائق المطلوبة، واضطررت في نهاية المطاف إلى تدبير سويعات مسروقة هنا وهناك للوقوف بنفسي على إنجاز أوراقي.. بدأ الشك يترسب إلى نفسي عندما واجهتني نفس المعيقات في كل المصالح التي أقصدها.. ورق عقود الازدياد نفد، مطابع البلدية معطلة، الأختام مكسرة، موظفو الشبابيك مثقلون بالعمل، ويجب ترك طلبات الوثائق في أدراج الانتظار.. لا يمكن أن يكون كل خلق الله قد اتفقوا على تعطيل مصلحتي.. أصبح الشك يقينًا عندما رفض مفتش الشغل تزويدي بشهادة كنت بحاجة إليها لتثبيت وظيفتي.. طلبت منه أن يخبرني دون لف ولا دوران كم دفع له مديري السابق، وزدت بأنني مستعدة لمضاعفة الإكرامية له إن أنجز لي ورقتي.. هز ّرأسه بأسف، وقال إنه كان عليّ أن أفكر عشر مرات قبل أن أعادي السيد فلان، فيده طويلة، ومعارفه كثر.. زوج أخته رئيس مصلحة الضرائب، وابن عمته ضابط مخابرات، وقريب زوجته عميد شرطة، وأخواله مشتتون في مصالح وزارة الداخلية، وصهره مدير ممتاز في وكالة التجهيز والعقار، وهلم جرا...
لن يدعك تفرحين بالوظيفة التي سرقتها من ابنته.. قال لي.. ووددت أن أصرخ بأنني لم أسرق شيئًا.. ولا أدري لماذا أحنيت رأسي، ومضيت.
مر شهر على استلامي العمل.. لم أرسم بعد.. ولم أستلم حتى أجرتي الأولى كاملة.. خصمت مني الساعات «المسروقة»، ووجه إليّ رئيسي المباشر إنذارًا كتابيًّا حاد اللهجة..
يد السيد المدير طويلة فعلاً كما قيل لي.

Google News