لطالما أضحكنا طوال نصف قرن وأسعدنا وأنسانا آلامنا ومشاكلنا من خلال أعماله التي رسمت البسمة على وجوهنا. فهو مصدر للتفاؤل وقصة للنجاح ورواية للكفاح. إنه دريد لحام المعروف بكونه مصدراً للبسمة والتفاؤل. لم تثنه ظروفه الصعبة عن أن يبتسم للحياة ويضحك لها لتضحك له وتبادله الأمل والإبتسامات. في هذا الحديث، سيحدّثنا نجمنا الكبير عن الأمل الذي لم ينضب في حياته، وقصته مع التفاؤل صديقه في طريقه الطويل الذي كان مليئاً بالألم والأشواك:

بداية، حدثّنا عن وضعك الصحي بعد العملية التي أُجريت لك في عينك قبل فترة قصيرة؟
الحمد لله وضعي الآن جيد. لقد أجريت عملية إزالة الماء الزرقاء من عيني وهي تتكوّن في عين الإنسان نتيجة التقدّم في العمر. وبفضل التطوّر التكنولوجي، أصبحت هذه العملية بسيطة مثل عملية الزائدة الدودية. وقد قمت بتغيير العدسة لعيني اليسرى، وبعد شهرين سأقوم بتغيير عدسة العين اليمنى. ويقول ممازحاً: بصور بشوف أكثر يتحسّن نظري أموري جيدة والحمدلله تعالى.
فيلم «سيلينا» والتفاؤل
ماذا عن جديدك الفني واستعداداتك للموسم المقبل، وكيف رأيت الإقبال على فيلمك الأخير «سيلينا»؟
الحمدلله الإقبال كان جيداً. وبشكل عام، هناك رضى كبير عن الفيلم ولاسيما أنه فيلم جديد وتجربة متفرّدة بالنسبة للسينما العربية. إنه فيلم غنائي ضاحك، يدعو للتفاؤل وللنظر بشكل أجمل للمستقبل. وكل من شارك في الفيلم غنّى فيه وضحك وأضحك الناس. وأنا حالياً أعمل على مشروعي الجديد وهو عمل تلفزيوني يكتبه مازن طه. كما أعكف على كتابة سيناريو فيلم عن العنف العائلي الذي بات منتشراً في زمن قلّ فيه التفاؤل وقلّت فيه روح المحبة والمودّة بين الناس وخاصة داخل البيت الواحد. والعمل يتحدّث عن الصورة الأخرى للعائلة غير السعيدة، وكيف يمكن للعنف أن يفكّك العائلة ويسيء لأفرادها ولحاضرهم ومستقبلهم. وكنت سابقاً قد قدّمت أفلاماً مثل «آباء صغار» الذي تحدّث عن حالة العائلة المتماسكة وكيف يمكنها أن تنجح بالمحبة والتكاتف.
من يتفاءل يرَ الحياة حلوة
الناس كلها كانت تأمل أن يكتمل مشروعك التفاؤلي مع عادل إمام «وطن في السماء». فلمَ لم يتمّ التفاهم بينكما حول المشروع؟
لا يزال المشروع قائماً، ولا يزال حلماً جميلاً مطروحاً. والحلم هو الإستمتاع سلفاً بالمستقبل. وقد بدأ هذا الحلم في عام 1984، ولكننا للآن لم نسر فيه للأمام لظروف كثيرة، وأتمنى أن يتحقّق قريباً.
رسم دريد لحّام على مدى نصف قرن، البسمة والضحكة والأمل على وجوه الناس. هل كان التفاؤل هو صديقك خلال تلك الفترة الطويلة؟
لولا التفاؤل لما بقينا على قيد الحياة، وهناك مقولة مهمة تقول: «تفاءلوا بالخير تجدوه» وهي صحيحة. فالتفاؤل مطلب إنساني لكي نحيا ونعيش ونتأقلم مع كل ظروف الحياة التي نواجهها بجيّدها وسيّئها. فعلينا نزع التشاؤم واستقبال الحياة بروح مشرقة لأن التفاؤل يجلب لنا نتائج مضيئة وطيّبة لأشياء لم نعشها بعد. أما التشاؤم وتوقّع السيّئ، فعكس ذلك. كل الناس يقولون في الصباح لبعضهم «صباح الخير» أو «مساء الخير» مساءً. وهذا مدعاة للتفاؤل في يومنا كله. ونحن بالتشاؤم نخدّر أنفسنا ونسير نحو السوداوية، وهذا سيّئ للغاية. وقد قال مطربنا العربي فريد الأطرش متفائلاً «الحياة حلوة بس نفهمها» ومن يتفاءل يرَ الحياة حلوة وبيضاء.
هل كنت تهرب من واقعك السيّئ ومن الفقر والمأساة للضحك والفرفشة؟
الحمدلله على كل شيء، فكل مشكلة مهما كانت كبيرة يتوجّب عليك مواجهتها والإعتراف بها حتى تستطيع حلّها. لم أكن أهرب من واقعي للضحك والفرفشة، ولكنني كنت أواجه مشاكلي وهمومي. ولهذا تغلّبت عليها ونجحت في حياتي. الضحكة موجودة في حياتي منذ صغري وهي جزء من تكويني، وهي شيء جميل.
يقال إن أكثر الناس ضحكاً أكثرهم مأسأة وسوداوية في داخلهم، هل هذا صحيح؟
ربما هم أكثر حساسية من غيرهم، ولكن ليس بالضرورة كل من يضحك هو سوداوي. لا يوجد أحد في هذا الكون مهما توفّرت له ظروف السعادة والرفاهية إلا وفي داخله ألم وحزن. وهذا ليس حكراً على من يزرعون الإبتسامة على وجوهنا. فالجميع يعيشون في دنيا واحدة، والحياة فيها السيّئ والجيد. نحن نحاول من خلال الموقف الضاحك أو الذي يدعو للتفاؤل أن نخرج الناس من حالة الإنقباض والسوداوية إلى الفرح والتفاؤل. وإذا سيطرت حالة التشاؤم والإنقباض على الإنسان تساهم بشلّه وقد تقضي عليه.
من كان مصدر إلهامك لتكون متفائلاً دائماً في حياتك؟
بلا شك والدتي رحمها الله، على الرغم من كل ظروفها الإقتصادية والمادية السيّئة والضائقة التي عاشت فيها ونشأتها «المعتّرة» (المسكينة) كما يقولون في لبنان وسوريا. ومنذ فترة جاءني إبن أختي من أستراليا، وذهبت معه إلى بيتنا القديم في حي الأمين في دمشق القديمة، لأريه كيف عشنا في غرفة صغيرة فقيرة في ذلك الحي القديم حيث كان ينام فيها عشرة أشخاص مثل «ورق العنب المحشى في الطنجرة المعدّة لطبخه». وقد كان سقفها مثل منخل أثناء الشتاء حيث يدخل منه المطر. كنا نعتبر هذه الغرفة في صغرنا جنّتنا ونراها كبيرة، ولكنني عند زيارتها مؤخراً رأيتها صغيرة. الظروف التي عشناها فيها صنعت منا حاضراً ومستقبلاً جميلاً.

دريد لحام والزميل علي طه
التشاؤم يقضي على النجاح
هل تفاءلت يوماً بشيء ما وصدمت بشيء مختلف عن توقّعك؟
أبداً لم يحدث معي شيء كهذا. كنت أواجه الإشكالية دائماً لأننا إذا هربنا منها تلاحقنا حيثما نذهب، أما إذا واجهناها فإننا نقضي عليها حتماً. ولذلك، كنت أحاول حلّ مشاكلي بالمواجهة وعدم الهروب منها. لقد كنت متفائلاً دائماً وصادقاً، فالصدق يضايق صاحبه لحظة قوله ولكنه يريحه طوال حياته.
هل لا زلت متفائلاً الآن كما كنت في فترات شبابك؟
أنا دائماً متفائل، وكنت ولا زلت كذلك لأن التشاؤم يقضي على النشاط والنجاح. ونحن كبشر خلقنا لننجح ونواجه مصاعب الحياة. كما أن عالمنا الآن مليء بالأمراض والمشاكل الإقتصادية والمالية والأزمات والحروب، وعلينا مواجهتها بالتفاؤل وبقوة الشخصية. الهروب دائماً هزيمة وتراجع، والأمل والتفاؤل نصر ونجاح.

Google News