الكتابة بفعلٍ قهري

سلمى الجابري


قبل أن نكتب يجب علينا أن نستعد جيداً لملاقاة الكثير من جثثِ الذكريات برحابةِ المشاعر، فبين كل سطرٍ وحرف ستغمرنا اللهفة القديمة، وهنا يجب علينا أن نواجه ثقلنا اللغويّ ببسالة، قبل أن يستحوذ الحنين على ما تبقى من قوتنا المنتفضة؛ لأنه ببساطة عندما نبدأ بكتابة أول حرف، جلّ ما نريده هو أن نتطهّر من أدران الماضي لنعانق زمن التعافي برهافة اللحظة التي نكتبها بخشوعٍ كليّ، حتى نبدأ بالتمايل بين العالم المنظور واللا منظور بفعلٍ قهريّ.
عندما نبدأ بالكتابة وتحديداً عند أقاصي البداية، سنبدأ بالبحث عنهم، كفكرة مارقة، كلغةٍ قارسة، كومضة خافتة، كأزيزٍ لا يهدأ، سنسيرُ بوحدة خالصة فوق الأسطرِ الحارقة بحذرٍ نخافه، وكأننا كلما أوغلنا في سبر أغوار الأبجدية، اقتربنا من حقيقتنا الدامية معهم، فمشاعرنا ستبقى بحاجة للحظةِ إنعاشٍ طارئة، وكأننا سنجدهم في نهاية الصفحة مكلومين، محزونين، ومصابين بالوهن العاطفي، وهم بحاجةٍ ماسة لبقايا أنفاسنا المحتضرة، حتى نسمح لهم بمعانقة الخلود كما يريدون، صدقاً هذا ما يجب أن نشعر بهِ، ونحن نغرق شيئاً فشيئاً في بقايا المونولوج الداخليّ الذي شرّعنا بكتابته بأسفٍ وفزع.
قبل أن ننتهي من الكتابة: عليّنا أن نتجرّع مرارة الحرف البكر منذ البداية، علينا أن نعيد للحظةِ الأولى شرعيّتها قبل أن ننتهي منها، وقبل أن نعرضها للحرقِ أو الصرف، علينا العيش فيها بتغذيةٍ كتابيّة لا ننتهي من البقاءِ فيها، طيلة امتداد الوجع الآسن؛ لأنه بات لزاماً علينا أن نقلب الأدوار كلما سنحت الفرصة لنا.
عند الحرف الأخير: هنا وأمام هذه اللحظة المغايرة والمؤثثة بالدموع، يجب علينا أننا قد أصبحنا أكثر خفّة من ذي قبل، كما لا بدّ علينا أننا قد تعلمنا طرائق مختلفة للدفن الكتابيّ، فقط لأنه في هذه المرحلة المرهقة من الحب المعتق، بدأنا بالنضج عند منطقة اللا فعل بالكثير من الأفعال الراقصة، والمنددة بالحياةِ البدائية، تلك الحياة التي بدأت من عندها مسيرة ألف حبٍ وخيبة بشق الأنفس، وها نحن في كل نهاية، سنجترّ عواقب ما كتبناهُ سابقاً، بإقصاءٍ حزائنيّ، لذا ستظلّ ذكراه حاضرة دوماً بين الورقِ والأخيلة حتى حين.