mena-gmtdmp

في ذكرى ميلاد عمر الحريري .. حكايات من القلب عن العائلة والفن والصداقة ترويها ابنته ميريت

صورة للفنان عمر الحريري في فترة الشباب - الصورة من ابنته ميريت
صورة للفنان عمر الحريري في فترة الشباب - الصورة من ابنته ميريت

عمر الحريرى.. الفنان الذي تجاوز حدود الزمن، وترك بصمة لا تمحى في ذاكرة السينما المصرية.. رغم رحيله عن عالمنا، إلا أن أعماله الفنية تظل حاضرة في وجداننا، وتجعلنا نذكر ملامحه البارزة وأدواره المؤثرة التي جسدها ببراعة.. "سيدتي" تحاول أن تلقي نظرة أعمق على حياة هذا الفنان الكبير من خلال حوار خاص مع ابنته ميريت الحريري، التي تحدثت معنا عن جوانب من حياته الشخصية والفنية، وكشفت لنا تفاصيل لم تكن معروفة من قبل عن هذا الرجل الذي ترك بصمة واضحة في تاريخ السينما المصرية.
ميريت كشفت لنا علاقته بزملائه من الفنانين، كيف كانت علاقته بالفنان عبد الحليم حافظ، وبالنجم عادل إمام، وكيف كانت علاقته بالفنانة الكبيرة فاتن حمامة، وعلاقته بالفنانة وردة، وأهم الأعمال التي قدمها للسينما والتليفزيون والمسرح ، وغيرها من التفاصيل .. تابعوا معنا في لقاء خاص مع ميريت عمر الحريري  حكاية الأب والفنان الكبير عمر الحريري.

 

ميريت الحريري - الصورة من ابنته ميريت
ميريت عمر الحريري - الصورة من المصدر


ميريت عمر الحريري

في البداية.. عوامل عديدة تساهم في بناء شخصية أي فنان.. كيف كانت أسرة الفنان عمر الحريري وكيف كانت علاقتهم بالفن؟

أبي ولد في أسرة مهتمة بالفن، جدي محمد الحريري كان مهندس إلكترونيات، وأنشأ أول إذاعة مصرية خاصة في أوائل الثلاثينات وقد غنت أم كلثوم في يوم افتتاح هذه الإذاعة، ولكن سرعان ما أغلقها الاحتلال الإنجليزي.
جدتي كانت سيدة منزل، كأي سيدة مصرية عادية وكان أبي أكبر أخوته، فكان لديه أختان وأخوان، وقد توفي من أشقائه قبله ثلاثة أشقاء، وكان الأخ الأكبر وهو سند لوالدته، لأن والده توفي وهو في سن صغير.. أبي أحب المسرح وهو طفل، وكان يسكن في جاردن سيتي، وكان يذهب مع جدي إلى مسارح عماد الدين.. كان بيت جدي وجدتي، هو البيت الكبير، وقال لي أبي أنهم كانوا يتجمعون في منزل الجد والجدة كل يوم جمعة على الغداء، فكان أبي يقوم بعمل مسرحيات ويمثل أمامهم، ويجسد كل شخوص المسرحية أمام العائلة ولما كبر وحصل على البكالوريا أخبر جده لوالده أنه يريد أن يصبح ممثلاً، فقال له جده التحق بوظيفة أولاً وإذا كنت تريد أن تعمل ممثلاً فيجب أن تتزوج لتكون حياتك مستقرة.. وبالفعل عمل أبي في وزاره تماثل وزارة التموين الآن وعمل في أرشيف هذه الوزارة، وكان يتقاضى 12 جنيهاً وتزوج من طنط آمال السلحدار وأنجب أختي الكبيرة نيفين، وفي أثناء ذلك تم افتتاح معهد التمثيل وقد تخرج أبي سنة 47، في أولى دفعات المعهد، وكان يعمل في ذلك الوقت بالفن مع فرقة نجيب الريحاني.

ميريت عمر الحريري
 عمر الحريري وابنته ميريت يوم زفافها - الصورة من ابنته ميريت

رغم موهبته الكبيرة، إلا أنه كان يقوم دائماً بالبطولة الثانية في أفلامه؟

قام أبي ببطولة فيلم أغلى من عيني وفيلم آخر ديني عن عام الفيل.. وكان لديه وجهة نظر كان يؤمن بها، فقد كان يقول أن الممثل هو بطل مشهد، أي أن أي مشهد يقدمه الممثل، سواء كان ممثلاً يقوم بدور أول أو دور ثان وأجاد في أدائه لهذا المشهد، فيكون هو بطل المشهد.

كيف كانت علاقته بزملاء جيله؟

كانت علاقته بالجميع جيدة جداً، تقوم على الصداقة والاحترام، وكانت علاقته جيدة بشكري سرحان ورشدي أباظة وكمال الشناوي، الذي كان صديقه لأن كمال الشناوي تزوج من ابنة خال أمي، وقد تزوج أبي وأمي عام 1952 وكان متزوجاً من طنط آمال قبلها وأنجبني عام 61 وأحياناً كثيرة كنت أذهب مع أمي لزيارته في الاستوديو، وبعد انفصاله عن أمي ظلا أصدقاء، وكنت لا أشعر بأنهما منفصلان؛ لأن أبي كان دائم الزيارة لنا، وكان دائماً يأتي ليتناول طعام الغذاء معنا ويأخذني لأرافقه للاستوديو أو المسرح، وقد سافرت معه عندما عمل في ليبيا في منتصف الستينات، وكنت أعيش معه أنا وأختي نيفين وطنط آمال زوجته الأولى.

زكي رستم اعترض على زواجه من والدتي

هل صحيح أن الفنان زكي رستم اعترض على زواج والدك من والدتك؟

قبل أن تتزوج أمي وأبي، كانت أمي متزوجة وعندها أولاد، وكان الفنان زكي رستم خال أمي، فقد أخبرته جدتي أمينة هانم رستم، أن هناك فناناً اسمه عمر الحريري تقدم لابنتي، فقال لها شقيقها الفنان زكي رستم، ما عندناش بنات تتجوز مشخصاتي، لأن المشخصاتي كاذب، ولا يجوز له الزواج، وكان يقصد بالمشخصاتي هنا الممثل، لهذا السبب لم يتزوج زكي رستم، ولكن جدتي أصرت، وتزوج أبي وأمي، وقام بتربية أخواتي من أمي، فكنا أخوات جميعاً، لا يفرق أبي بين أحد منا في المعاملة، وأنشا بيننا، وغرز فينا حبنا بعضنا لبعض، وأتذكر أن أخواتي من أمي، كانوا يتبادلون معي الإقامة مع أبي في المستشفى، فقد كانوا يحبونه ويعتبرونه والدهم بجانب أنه قام بتزويجهم وأكمل رسالته ناحيتهم مثلنا تماماً.
وأتذكر أن أبي حكى لي، عندما قابل الفنان زكي رستم في أول مشهد له في فيلم نهر الحب، وكان متزوجاً من أمي، فقال لي كنت قلقاً جداً من هذا المشهد، وشعر زكي رستم بهذا القلق، ورغم أنه كان غاضباً مني، وغير موافق على زواجي من والدتك إلا أنه طمأنني بعبقريته كممثل، وجعلني أخرج أفضل أداء لي في هذا المشهد.

كيف كانت علاقة والدك بالمخرج عز الدين ذو الفقار وفطين عبد الوهاب؟

كانوا من أعز أصدقائه، يسافرون معاً، ومريم فخر الدين زوجة محمود ذو الفقار وقتها كانت صديقة لأمي، وكانت تعتبر أمي الثانية وكنت دائماً أزورها في المعادي، وكانت تربطني علاقة صداقة كبيرة بإيمان ابنتها.
ما رأيك بالتعرف إلى إيمان ذو الفقار ابنة مريم فخر الدين

وكيف كانت علاقة والدك بالفنانة فاتن حمامة؟

كان يحترمها كثيراً، ويقدرها ويكون سعيداً جداً في العمل معها، فقد عمل معها أفلاماً كثيرة.. وكان صديقاً أيضاً للفنانة صباح وتتصل به كل جمعة بعد الصلاة لتطمئن عليه.. وكانت الفنانة مديحة يسري، تتصل به مرتين في الأسبوع للاطمئنان عليه، وهي أول من حضر عزاء أبي، فأبي كان شخصية محل احترام الجميع، وكان هادئاً ولا يتدخل في أي مشاكل في العمل، وكان دائماً في حاله.. لا يثير أي مشكلات، فكان الجميع يحبونه.

عمر الحريري وابنته الكبري نيفين من زوجته الاولي
عمر الحريري وابنته الكبري نيفين من زوجته الاولى - الصورة من ابنته ميريت

كيف كانت مرحلة عمل والدك الفنان عمر الحريري مع الفنان عادل إمام؟

أبي سافر ليبيا من سنة 64 إلى سنة 68 وكان في إعارة لإنشاء المسرح الليبي الشعبي في بني غازي، وساهم أيضاً في إدارة هذا المسرح وفي تدريب الممثلين هناك، وعندما عاد لمصر، طلبه المنتج سمير خفاجي ليكون ضمن أبطال مسرحية شاهد ما شافش حاجة مع عادل إمام، وكانت بداية نجومية عادل إمام بعد نجاحه في مسرحية "مدرسة المشاغبين"، وكان أبي يتابع عادل إمام ونجاحه في هذه المسرحية، وأول مرة سيعمل معه بطلاً للمسرحية، وافق أبي وبدأ مرحلة أخرى في التمثيل، وهو كبير في السن، وكان أبي معجباً بموهبة عادل إمام واجتهاده والإضافات الارتجالية التي يضيفها للنص على المسرح، كانت مسرحية "شاهد ما شافش حاجة"، هي التي أعادت أبي لأذهان الجمهور، لأنه عندما سافر، انقطعت أخباره، وعندما عاد ليقف أمام عادل إمام كان في مرحلة مختلفة من حياته الفنية، وأثبت للجمهور أنه ما زال يعطي وما زال موجوداً على الساحة الفنية.. الصداقة مع عادل إمام، بدأت من مسرحية "شاهد ما شافش حاجة"، وبحكم تواجده معه بصفة يومية لسنوات، قدم معه مسلسل "أحلام الفتى الطائر"، وكان آخر أعماله مع عادل إمام مسرحية "الواد سيد الشغال"، وهو آخر تعاون بينهما، وبعد ذلك لم يكن هناك أدوار تناسب أبي في أعمال عادل إمام لكن ظلت الصداقة والعلاقة مستمرة بكل احترام وحب.

هل كانت هناك علاقة صداقة بينه وبين عبد الحليم؟

كانت علاقة الصداقة قوية بين أبي وعبد الحليم حافظ. في احد المرات تقابلا في باريس، لبعض الأيام، وأثناء وجودهم في باريس كانوا يجلسون على أحد الكافيهات، رأى عبد الحليم محلاً يبيع تلفزيون ترانزيستور، وكان هذا التلفزيون من التكنولوجيا الحديثة، في ذلك الوقت، ولكن المحل كان مغلقاً، وبالفعل انتظر عبد الحليم حتى تم فتح المحل، لأنه كان يصر على أن يشتري هذا التلفزيون، وكان أبي أيضاً عاشقاً للتكنولوجيا الحديثة في ذلك الوقت، فبعد أن اشترى عبد الحليم التليفزيون أهداه لأبي، وقال له أنا كل سنة أروح باريس والعام القادم إن شاء الله اشتري واحد تانى، فقد وجد عبد الحليم  تلفزيوناً واحداً فقط في المحل، فأهداه لأبي، فقد كانت بينهما علاقة صداقة جميلة، وظلت هذه الصداقة حتى رحل عبد الحليم حافظ وكان أبي من دائمي الاستماع لأغاني عبد الحليم حتى بعد وفاته، فلا أنسى أبداً فيلمه الوسادة الخالية، الذي جمعه بعبد الحليم حافظ، وظل من أقرب الأفلام لقلب أبي.

ميريت تحمل ابنها الرضيع
 ميريت تحمل ابنها الرضيع - الصورة من ابنته ميريت

كيف كانت علاقته كأب ببناته؟

كانت علاقته بأختي الكبرى نيفين، علاقة أخ بأخته أو صديق لصديقته، أسرار أبي كانت معها وكنت أنا أوسط أخواتي، وكانت هي مسؤولة عن أخد موافقة بابا على الأشياء التي أريد الموافقة عليها، كانت تعرف كيف تتعامل معه وتخبره بالأشياء في الوقت المناسب، أنا أحياناً لا أجيد اختيار الوقت في طلب أي شيء أريده، ويكون الرد بالرفض.
في الذكرى الخامسة لرحيله.. رانيا محمود ياسين تستعيد ملامح والدها محمود ياسين بين الحنين والفخر

عمر الحريري أبو العروسة.. كيف قابل عمر الحريري عريسك في كواليس مسرحية شاهد ما شافش حاجة؟

عندما تقدم لي حسن زوجي، كنا جيران في الإسكندرية، حيث كنت أقيم الصيف مع أمي هناك، بعد انفصال أبي وأمي، تقدم للزواج هو وأسرته لأمي، وقالت لهم أنها سوف تقوم بتحديد ميعاد مع والدي، وبالفعل أعطى أبي الموعد لأمي بأن يأتي حسن في المسرح، أثناء عرض مسرحية شاهد ما شافش حاجة، وكان أبي يعرضها في القاهرة، وذهب زوجي إليه في كواليس المسرح، وطلب يدي، وكنت في الصف الثاني الثانوي في ذلك الوقت.

ظل والدك متزوجاً من زوجته الأولى، طنط آمال، كيف كانت علاقتكم بها؟

طنط آمال، والدة نيفين أختي، الزوجة الأولى لأبي، هي أمي الثانية، فقد كان أبي يحترمها ويقدرها وكانت قريبة من قلبي جداً وحضرت حفل زفافي. ظل أبي معها ولم ينفصل عنها، وكان يرافقها في مرضها حتى رحلت.

زوجة عمر الحريري الثانية والدة ميريت
زوجة عمر الحريري الثانية والدة ميريت  - الصورة من ابنته ميريت

من أجمل المسلسلات التي قدمها عمر الحريري، ساكن قصادي، ما هي ذكرياتك عن هذا المسلسل؟

كان أبي يعتز كثيراً بهذا العمل، وكان عملاً اجتماعياً، يقدم رسالة في قالب كوميدي، فكان يحترم ويقدر الفنانين سناء جميل وخيرية أحمد ومحمد رضا، وكانوا كعائلة واحدة، وأتذكر أنه حزن كثيراً عندما رحل الفنان محمد رضا قبل تقديم الجزء الثاني، وأصر فريق العمل بمن فيهم أبي أن محمد رضا موجود في الجزء الثاني من خلال تعليق صورته، صورة دائمة له في منزله بالمسلسل، وأن يتحدثوا عنه في أغلب المشاهد وكأنه موجود بينهم.

كانت من مسلسلاته المتميزة التي قدمها في السبعينات مسلسل أوراق الورد كيف كانت علاقته بالفنانة وردة؟

أبي كان صديقاً مقرباً جدًا للفنانة وردة، وكان سعيداً جداً بالعمل معها في هذا المسلسل الذي لقي نجاحاً كبيراً، وكانت أيضاً الفنانة وردة تقدره وتحترمه كثيراً وتعتبره إضافة للمسلسل.

اتجهتِ للعمل بالتمثيل وأنتِ في سن كبير.. لماذا تأخرتِ كل هذا الوقت وبعد رحيل والدك عمر الحريري بسنوات؟

كنت أفكر بعد تخرجي من الإعلام في تقديم برنامج عن فن التمثيل، وكنت قد قدمت في مركز الإبداع لأخذ دروس في فن التمثيل لأنني سأقدم برنامجاً عن هذا الفن، وكان البرنامج مخصصاً فيه بعض الوقت للدراما، ولكن فوجئت وقتها بأنني مريضة بالسرطان، وكان لابد من جلسات للعلاج الكيماوي مما يتعارض مع أن أذهب بصفة يومية لمركز الإبداع لأخذ كورسات التمثيل فاعتذرت عن هذه الكورسات، وبدأت العلاج الكيماوي، ثم عدت لأخذ كورسات تمثيل ليومين فقط في الأسبوع، وكنت أنسق بينها وبين العلاج الكيماوي الذي ظل تسعة أشهر.. ثم جاءني عرض بأن أقدم دوراً في فيلم الفيل الأزرق مع مروان حامد، ولكن بعض المشاهد التي ظهرت فيها حذفت ولا أعلم لماذا، ولكن يكفيني أنني وقفت أول مرة أمام الكاميرا مع المخرج مروان حامد، وتوالت بعد ذلك أعمالي التي أعتز بها كثيراً..

وهكذا، تفتح لنا ميريت عمر الحريري أبواب الذاكرة، لنطلّ من خلالها على الجانب الإنساني في حياة فنان ترك أثراً لا يُنسى في تاريخ الفن المصري. بين الأبوة والصداقة، وبين الفن والحياة، كان عمر الحريري رجلاً استثنائياً بإنسانيته قبل موهبته. حديث ابنته ميريت لم يكن مجرد سرد لحكايات الزمن الجميل، بل شهادة على محبةٍ لا تنطفئ، وسيرةٍ لا تزال حاضرة في وجدان من أحبوه.
رحل عمر الحريري، لكن أعماله وصورته كأب وفنان وإنسان، ستظل محفورة في ذاكرة الفن المصري والعربي، بكل ما تحمله من دفء وتفانٍ وصدق.