السَّفَرُ ثَقافةٌ لَا يَعرفها إلَّا مَن تَفكَّروا في السَّفرِ، وتَأمَّلوا الفَرقَ بَين الرَّحيلِ والحضور، مِثل الشَّاعِر «ابن زريق البغدادي» الذي قَضى أكثَر عُمره في أسفَاره، التي وَصفها قَائلاً:
مَا آبَ مِنْ سَفَرٍ إِلَّا وَأَزْعَجَهُ
رَأْيٌ إِلى سَفَرٍ بِالعَزْمِ يَزْمَعُهُ
خُذ مَثلاً: الإنجليزي عِندَما يُسافر، يَعدُّ السَّفَر نَوعاً مِن الإجَازَة، لذَلك يَجلسُ طُوال الوَقتِ في الفُندق، يَستيقظُ في الصَّباحِ كالطُّيور، ويَتناول إفطَاره، ثُمَّ يَجلسُ قُبَالة المَسبح، وفي يَده كِتَابٌ يَقرأه، وفي اليَدِ الأُخرَى مَشروبٌ سَاخنٌ، أو بَاردٌ، وهَكذا يمضي وَقته في «سَفَر»..!
ولَو تَأمَّلتَ الجَذر اللُّغوي لكَلِمَة «سَفَر»، ستَجدُ أنَّها تَدلُّ في كُلِّ مَعانيها عَلى مَعرفةِ الأشيَاء، والكَشفِ عَن خَفَايَاها، لأنَّ السَّفرَ مِن الإسْفَارِ والإيضَاحِ والإنَارة..!
وحتَّى نَفهم الكَلام، دَعونا نَفتحُ صَفحةَ «سَفَر» في القَاموسِ، لنَجد التَّالي:
سفَرَ عن يَسفِر، سَفْراً وسُفوراً، فهو سافِر، والمفعول مَسْفورٌ للمتعدِّي. ويُقال: سفَر الشَّيءُ وَضَح وانكَشف. وسَفَرَ الصُّبْحُ: أضَاءَ، أشْرَقَ «وَالصُّبْحِ إِذَا أسَفَرَ»، أي إذا طَلَعَ وأشرقَ بضيائه. وسَفَرَتِ الشَّمْسُ: طَلَعَتْ. وسفَر وَجهه حُسْناً: أشرَقَ وعَلاه جَمال..!
وسَفَرَت المرأةُ: كَشفت عَن وَجهها. وسَفَر عَن الشَّيء: نَتَج واتَّضح. وسَفَرَ البيتَ: كَنَسَه. وسَفَرَ الكِتَابَ: كَتَبَهُ. وسَفَرَ البَعِيرَ: وَضَعَ عَلَى أنْفِهِ السِّفَار. وسفَر الرَّجلُ: خَرَج للارتحَال، قَطَع مَسَافة «لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبا»..!
بَعد هَذه المَعَاني المُتعدِّدة للسَّفرِ، دَعونا نَسألُ أنفسنَا:
هَل نَحنُ نُطبِّق هَذه المَعاني عَلى وَاقعنا حِين نُسافر؟ اسأَلوا أنفسكم لتَجدوا الإجَابَة..!
حَسناً.. مَاذا بَقي؟!
بَقي القَولُ: مِن خِلال خِبرتي وتجاربي، أجدُ أن السَّفرَ لم يعد كما كان في السابقِ، يُسفِر عن الأشياءِ ويوضِّحها، لأن مَن لا يُريد الوعي لا يمكنُ أن يستفيدَ من السَّفرِ حتى لو جرَّبَ كلَّ خطوطِ الطيرانِ العالميَّةِ!
قال إمامنا الشاعرُ الشافعي- رحمه الله- قبل قرونٍ عدَّة:
تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِي طَلَبِ الْعُلاَ
وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ
تَفَرُّجُ هَمٍّ وَاِكْتِسَابُ مَعِيشَةٍ
وَعِلْمٌ وِآدَابٌ وَصُحْبَةُ مَاجدِ!
لم يعد السَّفرُ عند بعضهم، كما قال عنه إمامنا الشافعي، شاملاً خمسَ فوائدِ، أو ستاً، أو عشراً، خاصَّةً فائدةَ «علمٍ وآداب».
