mena-gmtdmp

أطول الرحلات أقربها

منال الحصيني
كتاب سيدتي
كتاب سيدتي

السفرُ ليس مجرَّد حركةٍ في المكانِ، على الرغمِ مما يبدو عليه من انتقالٍ بين المدنِ والبلدان. إنه يمتدُّ، ليُصبحَ فسحةً، تمنحها الحياةُ للنفسِ الإنسانيَّةِ، لتتفيَّأ الراحةَ من ذلك الضجيجِ المحيطِ بها في زحامِ الأيَّام.

فحينما تُثقَل الروحُ من تراكمِ المسؤوليَّاتِ، والاعتيادِ الروتيني، يأتي السفرُ، ليُعيدَ ترتيبَ العلاقةِ بين الإنسانِ والعالم، وكثيراً ما يُعيدها بين الإنسانِ ونفسه.

نحن نُسافر لنرى تضاريسَ مختلفةً، ومدناً جديدةً، تُعيد لنا شغفَ الحياةِ، ونبحثُ فيها عن لحظةِ صفاءٍ، أو دهشةٍ غابت في مكامنِ الروحِ تحت ركامِ الأيَّامِ المتشابهة، فالحياةُ قادرةٌ على تحويلِ أكثر الأشياءِ دهشةً إلى مألوفاتٍ لا نلتفتُ إليها.

كذلك، يمنحنا السفرُ عيوناً جديدةً، إذ نُشاهِد العالمَ بعمقٍ، ونتحرَّرُ من مسمَّياتنا الاجتماعيَّةِ، لنعودَ ذلك الإنسان المجرَّد، ولنعيشَ الحياةَ كما هي، بأن نمشي بلا استعجالٍ، وأن نشربَ كوبَ القهوةِ على مهلٍ، وأن نمنحَ أعيننا فرصةَ التأمُّلِ، وأن نرى مدناً جديدةً، وأن نُلامسَ تقاليدَ وطقوسَ مجتمعاتٍ مختلفةٍ، لنكتشفَ أن ما يجمعُ البشرَ أكبرُ بكثيرٍ مما يُفرِّقهم، فالفرحُ، والحنينُ، والرغبةُ بحياةٍ رائعةٍ لغةٌ إنسانيَّةٌ مشتركةٌ.

وفي كلِّ رحلةٍ يكتشفُ الإنسانُ أن العالمَ أوسعُ من حدوده اليوميَّةِ، وأن كثيراً من الأفكارِ التي يختزلها بوصفها حقائقَ مُطلَقةً، ليست سوى وجهةِ نظرٍ، اعتادَ على رؤيتها من زاويته الخاصَّةِ، ثم إن كلَّ تجربةٍ جديدةٍ تُزيح شيئاً من إرهاقِ الروحِ، وتجعلها أكثر اتِّساعاً للحياة.

ولعل السفرَ إلى داخلِ الذاتِ، هو الرحلةُ الوحيدةُ التي لا تُقطَع فيها آلافُ الأميالِ، لكنَّها تبقى الأصعبَ وصولاً، فهي، على الرغمِ من قِصرِ المسافةِ، من أطولِ الرحلاتِ، وأوعرها في التضاريس. إنها رحلةٌ لا نكتشفُ فيها المدنَ، بل نكتشفُ دواخلنا، وهناك يتلاشى وهمُ الطريقِ، فلا يبقى إلا المعنى. تلك الوجهةُ الوحيدةُ التي تستحقُّ الوصولَ إليها حيث تنكشفُ الأسئلةُ المؤجَّلةُ، وتظهرُ الحقائقُ التي أخفاها عنا صخبُ الحياةِ اليوميَّة.

نحن نقضي جزءاً كبيراً من حياتنا في انشغالٍ دائمٍ بالعالم من حولنا، لذا نُؤجِّل اللقاءَ بأنفسنا! نعرفُ أسماءَ المدنِ والشوارعِ، وربما نحفظُ الطرقَ المؤدِّيةَ إلى وجهاتنا، لكننا نعجزُ عن الإجابةِ عن: ما الذي نُريده حقاً، وما الشيءُ الذي يجلبُ لنا الطمأنينة، وما الأمرُ الذي يستحقُّ أن نهدرَ العمرَ لأجله؟

إن رحلةَ الذاتِ لا تطلبُ إجاباتٍ نهائيَّةً بقدرِ ما هي بحثٌ عن أسئلةٍ، تستحقُّ الإجابةَ عنها، لنواجه بها أنفسنا بكلِّ شجاعةٍ، ونقترب خطوةً من فهمها.

حتماً بعد هذه الرحلةِ ستصلُ إلى وجهتك عقب رحلةٍ من الأسئلةِ، وكثيرٍ من التجاربِ والوعي.. «عوداً حميداً».