حكايةُ فريدا كالو Frida Kahlo تختصرُ قطعةً من تاريخِ الفنِّ، فهي لم تكن تبحثُ عن الجمالِ، بل كانت تمنحه للألم. فريدا كانت تُؤمن بأن أكثر الجراحِ عمقاً يمكنه أن يُزهِر، وأن أكثر اللحظاتِ قسوةً، تستطيعُ أن تتحوَّلَ إلى أثرٍ خالدٍ، لذا لم تكن لوحاتها مجرَّد أعمالٍ فنيَّةٍ، بل جاءت اعترافاتٍ صامتةً، كتبتها باللون، وسيرةً ذاتيَّةً، نُسِجَت من الصبرِ، والحنينِ، والتمرُّد. وفي عالمها، لم يكن الجسدُ عبئاً، بل كان ذاكرةً، تحفظُ كلَّ ما مرَّ به. هناك، يتردَّدُ صدى ريشتها في أرجاءِ المنزلِ الأزرق الذي تحوَّلَ إلى متحفٍ، يحتضنُ تناقضاً عجيباً من الجمالِ الممزوجِ بالوجع. وبمناسبةِ "يوم ميلادها"، الذي يُصادف 6 يوليو، أجرينا زيارةً إلى بيتها الأزرقِ الواقعِ بحي ديل كارمن Colonia del Carmen في العاصمةِ مكسيكو.

زيارةُ البيتِ الأزرق ليست زيارةً إلى متحفٍ، وإنما عبورٌ إلى عالمٍ، ما زال يحتفظُ بأنفاسِ صاحبته. في كلِّ جدارٍ، وفي كلِّ ورقةٍ تُلامس ضوءَ الحديقة، وفي كلِّ ظلٍّ يعبرُ المكان، يسكنُ شيءٌ من فريدا، وكأنَّ الفنَّ لم يُعلَّق هناك على الجدران، بل اختار أن يعيشَ بينها إلى الأبد.

حين تصبح اللوحة سيرة ذاتية

لم ترسم فريدا حياتها، بل عاشت داخلَ لوحاتها. هي منذ أن أقعدها، في 1925، حادثُ حافلةٍ، غيَّر مجرى حياتها إلى الأبد، تحوَّلَ وجهها وجسدها وذاكرتها إلى موضوعها الأبدي. لم تُخفِ كالو الألم، ولم تُجمِّله، بل منحته هيئةً فنيَّةً، جعلته خالداً. وقد أنجزت الفنَّانةُ نحو 70 لوحةً ذاتيَّةً، استعادت من خلالها طفولتها، واستحضرت والديها، كما حكت علاقتها بدييجو ريفيرا.
ما رأيك في جولة في منزل الرسام الفرنسي كلود مونيه.. زرع حديقة فازدهرت فناً خالداً
المكسيك الوطن الذي ارتدته

على الرغمِ من أن الألمَ كان حاضراً في معظمِ أعمالها إلا أن أكثر ما يُفيض منها، هو عشقُها للمكسيك. كانت فريدا ترتدي الزي التقليدي المطرَّزَ بالألوانِ والزهور، وتُزيِّن شعرها بالضفائرِ، وأكاليلِ الورد، لتُصبح هي نفسها امتداداً بصرياً لتراثِ بلادها. وفي لوحاتها، لا تظهرُ الببغاواتُ، والصبَّارُ، والزهورُ، والنباتاتُ بوصفها عناصرَ زخرفيَّةً، وإنما شخصيَّاتٌ، تُشاركها الحكاية.

حب يشبه العاصفة

في تاريخِ الفنِّ قلَّما عرفَ العالمُ علاقةً تُشبه تلك التي جمعت دييجو ريفيرا وفريدا كالو. كانت قِصَّةَ عشقٍ بقدرِ ما أنجبت من الجمالِ، أنجبت أيضاً كثيراً من الندوب، فهما عندما التقيا عامَ 1928، كان ريفيرا، الأكبرُ منها بعقدين، قد رسَّخ مكانته بوصفه أحدَ أعظمِ رسَّامي الجداريَّاتِ في المكسيك، ويُسخِّر فنَّه للناسِ والقضايا الاجتماعيَّة. جمعتهما اللوحةُ، كما جمعتهما السياسةُ، والإيمانُ بأن الفنَّ يمكن أن يكون صوتاً للحياة، لكنَّ الزواجَ، الذي بدأ عامَ 1929، لم يعرف الهدوءَ يوماً. كان حباً، يشتعلُ، ثم يحترق! يبتعدُ ثم يعود! وعنه، قالت فريدا عبارتها الشهيرة: «تعرَّضتُ لحادثَين كبيرَين في حياتي، الأوَّلُ سببُه حافلةٌ، أمَّا الثاني، فهو دييجو، وكان الأقسى». وبقي بين فريدا ودييجو خيطٌ غير مرئي، يستحيلُ قطعه، فهما انفصلا، ثم تزوَّجا مجدَّداً عامَ 1940، وكأنَّ الحبَّ، مهما أثقله الألمُ، كان قدراً لا مهربَ منه، ثم إن العمارةَ ذاتها تروي حكايتهما، فالبيتُ الذي جمعهما خلال زواجهما الأوَّل، لم يكن بيتاً تقليدياً، بل كان عبارةً عن مبنيين مستقلَّين، الأزرقُ لفريدا، والأبيضُ والوردي لدييجو، ويصلُ بينهما جسرٌ معلَّقٌ. وكأنَّ المكانَ نفسه يهمسُ بأنهما روحان، اختارتا أن تعيشا منفصلتَين، لكنَّهما لم تستطيعا يوماً الانفصال.

خاصية اللون الأزرق

أمَّا البيتُ الأزرق، فلم يكن منزلاً، احتضن فنَّانةً فحسب، بل أصبح امتداداً لروحها. خلفَ جدرانه، التي يكسوها الأزرقُ المكسيكي العميق، لا يبدو الزمنُ وكأنَّه مضى، إذ ما زالت الفرشاةُ تنتظرُ يدها، وما زالت الألوانُ تحتفظُ بحرارتها، وكأنَّ فريدا غادرت المكانَ للحظةٍ، وستعودُ لتُكمِل لوحةً، لم تنتهِ بعد. ويكتسي منزلُ كالو طفولةٌ، تُعرَف باسمِ كازا أزول Casa Azul بدرجةٍ آسرةٍ من الأزرق، في تحيَّةٍ بصريَّةٍ، تنبضُ بروحِ الثقافةِ والتراثِ المكسيكيين الأصيلين. ولم يكن هذا اللونُ الصارخُ مجرَّد خيارٍ جمالي، بل حملَ في طيَّاته رمزيَّةً عميقةً، تُجسِّد اللقاءَ الأبدي بين الأرضِ والسماء، ليغدو المنزلُ فضاءً، تتناغمُ فيه الأسطورةُ مع الفنِّ، وتحرسُه ذاكرةٌ، لا تزالُ تنبضُ بالحياة.
يمكنك أيضًا التعرف على اليابانية يايوي كوساما ظاهرة فنية ممتدة حتى 94 عامًا..!
المرسم.. حيث نبضها الأخير

يغمرُ الضوءُ الطبيعي مرسمَ فريدا حيث ما زالت لوحاتُ المزج، وأنابيبُ الألوان، والفرشُ تحتفظُ بأماكنها الأصليَّة كما لو أن الزمنَ قرَّر ألَّا يمسَّها. وأكثرُ ما يُلامس القلب، هو كرسيها المتحرِّك المتوقِّفُ أمامَ لوحةٍ لم تكتمل، في مشهدٍ، يترك للخيالِ مساحةً واسعةً، وكأنَّ الفنَّانةَ غادرت للحظةٍ، وستعودُ بعد قليلٍ لتُكمِل حوارها مع اللون.

غرفة وُلدت فيها أشهر البورتريهات

في غرفةِ نومها، يقفُ السريرُ بأعمدته الأربعة شاهداً على أعوامٍ طويلةٍ من الألمِ والإصرار، أمَّا فوقه، فلا تزالُ تُوجد المرآةُ التي ثبَّتتها والدتها لتُرافقها خلال فتراتِ النقاهةِ القاسية. من تلك المرآةِ، بدأت فريدا رحلتها مع تأمُّلِ الذات، لترسمَ وجهها مرَّةً بعد أخرى، لا بحثاً عن الملامحِ، وإنما عن المعنى. هنا وُلِدَت البورتريهات الذاتيَّة التي أصبحت من أكثر الأعمال تأثيراً في تاريخِ الفنِّ الحديث.
المطبخ.. قصيدة للحياة المكسيكية

تتلألأ جدرانُ المطبخِ ببلاطٍ أزرقَ وأصفرَ، يفيضُ دفئاً، فيما تُشكِّل الأواني الفخاريَّةُ اسمَي فريدا ودييجو على الجدار، في تحيَّةٍ صامتةٍ لحكايةِ حبٍّ استثنائيَّةٍ. المكانُ يعكسُ شغفهما بالتراثِ المكسيكي، وحياتهما البوهيميَّة التي امتزجَ فيها الفنُّ بالفكر، واليومي بالشعري.
ما رأيك بالاطلاع على بابلو بيكاسو.. كيف كانت حياة الفنان التشكيلي الإسباني؟
أناقة تحمل ذاكرة

تضمُّ الخزانةُ مجموعةً استثنائيَّةً من فساتينِ تيهوانا Tehuana التي اختارتها فريدا لتحتفي بجذورها المكسيكيَّةِ الأصيلة، وتُخفي في الوقتِ نفسه آثارَ مرضِ شلل الأطفال، والمشدَّاتِ الطبيَّة التي رافقتها أعواماً طويلةً. بالنسبةِ إليها، لم تكن الأزياءُ زينةً، بل كانت لغةً، تُعبِّر عن الهويَّة، ووسيلةً لتحويلِ الهشاشةِ إلى قوَّةٍ، والجراحِ إلى حضورٍ لا يُنسى.
يمكنك متابعة الموضوع على نسخة سيدتي الديجيتال من خلال هذا الرابط


Google News