بين إسطنبول وبورصة، لا تُقاس الرحلةُ بعددِ الكيلومترات، بل بعددِ الحكاياتِ التي تتركها في القلبِ والذاكرة، فهناك، حيث تتعانقُ القبابُ مع السماء، وتهمسُ المآذنُ للأفق، بدأ فصلٌ جديدٌ من الاكتشاف. رحلةٌ لم تكن عبوراً بين المدن، بل كانت عبوراً بين الأزمنةِ والحضارات، إذ لا يزالُ التاريخُ يمشي على مهلٍ بين الأزقَّة، وفي ظلالِ الجوامع، وعلى عتباتِ الأسواقِ التي لم تنقطعُ عنها الحياة. إسطنبول، المدينةُ التي لم تُولَد مرَّةً واحدةً، بل أعادت تشكيلَ روحها مع كلِّ حضارةٍ مرَّت عليها، لتصبح نقطةَ التقاءٍ بين الشرقِ والغرب، وبين الإيمانِ والفنِّ والإنسان.
هنا تمتزجُ رائحةُ القهوةِ بصوتِ الآذان، ودفءِ الابتسامات، لتصلَ الماضي بالحاضرِ بخيوطٍ لا تُرى.
ومن إسطنبول امتدَّت الرحلةُ نحو بورصة، المدينة التي يلفُّها عبقُ الإمبراطوريَّةِ العثمانيَّة، كما مررنا بإزنيق التي تحفظُ الأزقَّةُ في حجارتها ذاكرةَ قرونٍ.
خمسةُ أيَّامٍ لم تكن مجرَّد زيارةٍ، بل كانت حكايةً من الجمالِ، والكرمِ، والإنسان. وقد جاءت هذه الرحلةُ بدعوةٍ كريمةٍ من السفارةِ التركيَّةِ في المملكةِ العربيَّةِ السعوديَّة، وضمن برنامجِ Go Türkiye، التابعِ لوكالةِ الترويجِ والتطوير السياحي التركيَّة التي فتحَت لنا أبوابَ المدنِ وذاكرتها.
حيث يروي الحجر حكاية الإنسان

في كلِّ رحلةٍ لا بدَّ من راوٍ، يحفظُ أسرارها، ويفتحُ نوافذها على الماضي، ويمنحُ الأمكنةَ صوتاً لا يُسمع إلا ممَّن يرغبُ في معرفةِ حكاياتها، وفي هذه الرحلةِ رافقنا الأستاذ مجيد بوغداي Mecit Bogday الذي لم يكن مجرَّد دليلٍ، يقودُ الخطواتِ بين المدنِ والمَعَالِم، بل كان جسراً بيننا وبين روحِ تركيا.
مجيد يحملُ في ذاكرته تفاصيلَ الأماكن، وفي صوته شغفاً بوطنه، فيروي التاريخَ لا بوصفه أحداثاً بعيدةً، بل بوصفه قصصاً حيَّةً، ما زالت تتنفَّسُ بين الجدران والطرقات. كان يُشير إلى نافذةٍ خشبيَّةٍ في بيتٍ عثماني، فيستحضرُ حكايةَ عائلةٍ، ويتوقَّفُ أمامَ مسجدٍ قديمٍ، فيروي أثرَ مَن بناه، وحافظَ عليه، ويكشفُ خلفَ كلِّ قطعةِ خزفٍ، أو نقشٍ، أو بابٍ عتيقٍ قِصَّةَ إنسانيَّةٍ تختبئ وراءَ الجمال.
كان مجيد يقرأ المكانَ كما تُقرَأ الكتبُ القديمةُ بحبٍّ، وصبرٍ، واعتزازٍ. هو يعرفُ أن التاريخَ لا يسكنُ المتاحفَ فقط، بل ويعيشُ أيضاً في تفاصيلِ الحياةِ اليوميَّة: في ابتسامةِ أهل القرى، وفي فنجانِ قهوةٍ يُقدَّم بكرمٍ، وفي دعوةٍ عابرةٍ من قلبِ إنسانٍ. وبفضلِ رواياته، لم نعد نرى تركيا بوصفها وجهةً سياحيَّةً، بل بوصفها حكايةً مفتوحةَ الصفحات، فكلُّ طريقٍ فيها بدايةُ قِصَّةٍ، وكلُّ حجرٍ يحملُ ذاكرةً تنتظرُ مَن يُصغي إليها.
رحلة في ذاكرة لا تزال تنبض

إسطنبول مدينةٌ لا تكتفي بروايةِ تاريخها فقط، بل وتجعلك تعيشه أيضاً. أسرةٌ كبيرةٌ، تحتضنُ أبناءَها وزوَّارها بالدفءِ نفسه، ومدينةٌ حافظت على آثارِ ماضيها الغارقِ في عمق القرون حتى بدا كلُّ حجرٍ فيها وكأنَّه يحملُ ذاكرةً لا تنطفئ.
من آيا صوفيا إلى المسجدِ الأزرق، تمضي بين معالمَ محبوكةٍ بالعظمة، وشاهدةٍ على حضاراتٍ تعاقبت، وتركت بصمتَها في المكان. نضعُ المنديل فوق رؤوسنا لا بوصفه طقساً عابراً، بل بوصفه علامةَ احترامٍ لهيبةِ العمارة التي ترتفعُ نحو السماء، ولصمتِ الجدران التي ما زالت تهمسُ بأسماء مَن مرُّوا من هنا.
ما تركه السلاطين وما حفظه الناس

في آيا صوفيا تتجاورُ الفسيفساءُ البيزنطيَّة مع الخطِّ العربي في مشهدٍ نادرٍ، يختصرُ قروناً من الإيمانِ والفن. شيَّدها الإمبراطور جستنيان الأوَّل عامَ 537 بوصفها أعظمَ كاتدرائيَّةٍ في عصرها، ثم تحوَّلت إلى مسجدٍ بعد فتحِ القسطنطينيَّة عامَ 1453 قبل أن تُصبح متحفاً، ثم تعود مسجداً، لتبقى شاهدةً على تعاقبُ الأزمنةِ دون أن تفقدَ روحها.
وعلى مقربةٍ من المكان، يعزفُ المسجدُ الأزرق سيمفونيَّةً من النورِ والحجر، إذ تتلألأ جدرانه بأكثر من 20 ألف بلاطةٍ خزفيَّةٍ من الإزنيق، بينما تتعانقُ قبابه ومآذنه مع السماءِ في مشهدٍ يأسرُ الأبصار.
ويجاورُ المسجدَ الأزرقَ الهيبودروم، هنا لا تزالُ الأصواتُ القديمة تتردَّدُ بين المسلاتِ والأعمدة، وكأنَّ صهيلَ الخيل، وضجيجَ الجماهير لم يُغادرا المكان.
البازار الكبير.. مدينة تنبض بالحكايات

منذ عامِ 1461 والبازارُ الكبيرُ في إسطنبول يفتحُ أبوابه بوصفه واحداً من أعرقِ الأسواقِ المسقوفةِ في العالم، وقد أنشأه السلطان محمد الفاتح، ليكون قلباً نابضاً للتجارة، فتحوَّلَ مع الزمنِ إلى مدينةٍ داخلَ مدينةٍ.
ويضمُّ البازارُ أكثر من أربعةِ آلاف متجرٍ، تتشابك بينها الأزقَّةُ، والقبابُ التاريخيَّة. هنا تمتزجُ رائحةُ التوابل ببريقِ الذهب، ويروي السجَّادُ اليدوي، والخزفُ، والمصابيحُ الفسيفسائيَّة حكاياتِ الحِرفيين. ثم، وبين كلِّ ممرٍّ وآخرَ، يبقى فنُّ المساومةِ جزءاً من تجربةٍ أصيلةٍ تحفظُ روحَ الشرقِ وسحرَه الخالد.
برج غلطة.. حارس إسطنبول عبر العصور

يقفُ برجُ غلطة شامخاً منذ عامِ 1348، يُراقب إسطنبول وكأنَّه حارسٌ لا يشيخ. وقد تحوَّل عبر القرونِ من برجٍ للمراقبةِ إلى مرصدٍ وسجنٍ قبل أن يُصبح متحفاً، أخيراً، يطلُّ على البوسفور، والقرنِ الذهبي، والمدينةِ التاريخيَّة.
شارع الاستقلال.. حيث لا تنام إسطنبول
يمتدُّ شارعُ الاستقلال مثل نبضٍ متواصلٍ في قلبِ إسطنبول جامعاً بين عبقِ التاريخ، وحيويَّةِ الحاضر. وعلى جانبَيه تصطفُّ مبانٍ، تعودُ إلى القرنِ الـ 19، فيما يشقُّ الترامُ الأحمر طريقَه بهدوءٍ بين المقاهي، والمتاجر، والمعارض.
هنا تتجاورُ الكنائسُ والمساجدُ في مشهدٍ يعكسُ تنوُّعَ المدينة، وتختبئ الممرَّاتُ القديمةُ خلف واجهاتٍ أنيقةٍ، تحتضنُ المطاعمَ، وصالاتِ الفن.
ومع كلِّ خطوةٍ، يكشفُ الشارعُ وجهاً جديداً لإسطنبول: مدينةٌ لا تتوقَّفُ عن سردِ حكاياتها، ولا تخبو مواسمها، ولا تجفُّ حكاياتها. أزقَّتُها وحجارتها ألِفَت الولاداتِ المتواصلة، واعتادت على الأنوارِ والألوان، فيما تنفتحُ صفحاتها كلَّ يومٍ على فصلٍ جديدٍ، يدعو الحواس إلى أن ترى، وتسمع، وتلمس عبقَ مدينةٍ لا تزالُ تكتبُ تاريخها، وتترك لكلِّ زائرٍ حكايةً يحملها معه إلى الأبد.
عبق الأماكن ووجوه لا تنسى
ثلاثُ ساعاتٍ في الطريقِ كانت كافيةً لندرك أن الرحلةَ إلى بورصة ليست انتقالاً بين مدينتَين، وإنما عبورٌ بين قرونٍ.
فبعد استراحةٍ على الطريقةِ التركيَّة حيث يُقدَّم الشاي والقهوة بوصفهما تحيَّةً للمسافر، أخذنا الطريقَ المكتنزَ بآثارِ الزمنِ العثماني نحو إزنيق، المدينة التي خرجَ من أفرانها ذلك الخزفُ الذي ارتقى ليُزيِّن قبابَ المساجدِ في إسطنبول، وجدرانَ قصورها، وكأنَّه يحملُ شيئاً من زرقةِ السماءِ إلى الحجر.
الفنان عادل جان غوفن

في إزنيق لا يقتصرُ الخزفُ على كونه حِرفةً، بل ويصبح أيضاً لغةَ مدينةٍ بكاملها. هنا التقينا الفنَّان عادل جان غوفن Adil Can Güven الذي كرَّسَ أكثر من 50 عاماً من حياته لإحياءِ فنونِ الخزفِ والبلاط الأناضولي والعثماني محافظاً على أصالةِ الزخارفِ القديمة، وتقنيَّاتِ الصناعةِ التقليديَّة في مشغلِ عائلته، فكم من طينٍ مرَّ بين أصابعه، وكم من لونٍ استقرَّ في راحتَيه قبل أن يُبدِع عملاً فنياً.
عيناه اللامعتان تشهدان على حكايةِ صنعةٍ يدويةٍ يعتزُّ بها، بدأت في الطفولةِ حين تعلَّم أسرارها على يدِ خاله، المعلِّم عبد الرحمن أوزر. ومنذ ذلك الحين، وقعَ عادل في عشقِ الطين، وقوالبه، وألوانِ الأرضِ والسماء، فعجنها بصبرِ العاشق، وحوَّلها إلى قطعٍ فنيَّةٍ، وجدت طريقها إلى أهمِّ المتاحفِ والمعارضِ حول العالم.
ولم يكتفِ جان غوفن بحفظِ هذا الإرث، بل وانصرفَ أيضاً إلى دراسةِ، وإعادةِ إحياءِ روائعَ تمتدُّ عبر 13 عصراً تاريخياً بدءاً من العصرِ الحجري الحديث مروراً بالحضارتَين الرومانيَّةِ والبيزنطيَّة، ووصولاً إلى ازدهارِ الفنِّ العثماني، ليمنحَ كلَّ حقبةٍ حياةً جديدةً تنبضُ بين يديه.
وفي مشغله لا يعيشُ التاريخُ في القطعِ وحدها، بل وتجده أيضاً في تفاصيلِ الحياةِ اليوميَّة، فحفيدته تركضُ بكرتها بين الرفوفِ المزدحمةِ بالخزف، وهو يُتابعها بابتسامةٍ هادئةٍ، لا يخشى أن تكسرَ شيئاً، فالمكانُ لها كما هو للفن، والعالمُ كلّه ملعبٌ لطفولتها. هناك، تنمو بين حنانِ جدها وجدتها، فيما تعملُ العائلةُ بأكملها كتفاً إلى كتفٍ، ليبقى المشغلُ بيتاً تتوارثُ فيه الحِرفة كما تتوارثُ المحبَّة.
آيا صوفيا إزنيق
في قلبِ إزنيق يقفُ مسجدُ أورهان، المعروفُ بآيا صوفيا إزنيق، شاهداً على حوارِ الحضارات. كنيسةٌ بيزنطيَّةٌ، احتضنت أحدَ أهمِّ المجامعِ المسكونيَّة، ثم مسجدٌ عثماني، أضافَ إليه الزمنُ طبقاتٍ جديدةً من الجمال.
وعلى جدرانه تتجاورُ الفسيفساءُ والجداريَّاتُ القديمة مع المحرابِ والمئذنة في مشهدٍ يختصرُ رحلةَ مدينةٍ، عاشت أكثر من هويَّةٍ دون أن تفقدَ روحها.
مسجد بورصة الكبير

في رحابِ جامعِ بورصة الكبير حيث تُعانق 20 قبةً السماء وكأنَّها دعواتٌ ارتفعت واستُجيبت، أصغينا إلى الحكايةِ التي رواها لنا مرشدنا السياحي. أخبرنا مجيد أنّ السلطان بايزيد الأوَّل، وبعد انتصاره في معركةِ نيكوبوليس، نذر أن يبني 20 مسجداً شكراً لله، لكنْ ضيقُ المساحةِ حال دون تحقيقِ النذر كما أراد، فنصحه العلماءُ بأن يُشيِّد مسجداً واحداً، تتوِّج سقفه 20 قبةً، ليجتمعَ الوفاءُ بالنذر مع روعةِ العمارة. هكذا، وُلِدَ هذا الصرحُ الخالدُ بين عامَي 1396 و1400، وتحوَّل إلى جوهرةٍ عثمانيَّةٍ ترويها قبابه، ويُخلِّدها منبره الخشبي المنحوتُ من جذعِ جوزٍ واحدٍ بلا مسمارٍ، فيما تُزيِّن جدرانه روائعُ الخطِّ الإسلامي شاهدةً على حضارةٍ، قاومت الحروبَ، والزلازل، وبقيت نابضةً بالجمال.
ابتسامات تحفظها الأزقة قبل الذاكرة

صعدنا، تالياً، إلى جومالي كيزيك Cumalikizik، وهي قريةٌ، احتفظت بنسيجها العمراني الأصيل، لتُدرَج ضمن قائمةِ التراثِ العالمي لـ «يونسكو». هناك يبدو الزمنُ وكأنَّه اختار أن يتأنَّى، ليتحوَّل المكانُ إلى متحفٍ مفتوحٍ لا يكتفي بسردِ التاريخ فقط، بل ويهمسُ أيضاً بحكاياتِ مَن عاشوه.

بين بيوتٍ خشبيَّةٍ عتيقةٍ، وأشجارٍ تهمسُ بأسرارها، ونسماتِ صيفٍ تحملُ عطرَ الزيزفون والورد، كانت جولتنا، فهنا شجرةُ توتٍ، وهناك شجرةُ جوزٍ، وألوانٌ تتناثرُ على الشرفات، وأوشحةٌ تُراقصها نسماتُ تموز (شهر يوليو). نرى، ونسمعُ، ونلمس، فتتشابك الحواس، لتحتضنَ عبقَ الأماكن، وأثرَ الأقدامِ التي عبرت أزقَّتها الحجريَّةَ المتعرِّجة.
في وجوه أهلها طيبُ السماء، وفي ابتساماتهم كرمٌ يُوزَّع مجاناً على القادمِ والذاهب: «هوش كالدين» Hoş geldin أهلاً بكم. «بيوروم» Buyurun تفضلوا. كلماتٌ تستقبلُ الزائرَ كما لو كان واحداً من أهلِ الدار، وعليه، أكثرُ ما يبقى في الذاكرةِ ليس الحجر، بل الناس، حتى إن المكانَ بدا وكأنَّه يحتفظُ بروحه بقدرِ ما يحتفظُ ببيوته.
في صحبة الذاكرة وأهلها

واختتمنا الرحلةَ في قلبِ بورصة، داخلَ السوقِ المسقوف وخان كوزا، حيث لا يزالُ طريقُ الحريرِ حاضراً في رائحةِ الحرير، والقهوةِ، والتوابل.
بين الأقواسِ الحجريَّةِ والمتاجرِ العتيقة، بدا السوقُ أكثر من مركزٍ للتجارة. لقد كان مسرحاً لذاكرةِ مدينةٍ، ومرآةً لحضارةٍ لا تزالُ تنبضُ بالحياة في تفاصيلها الصغيرة تماماً كما بدت قبل قرون.

Google News