mena-gmtdmp

ملحمتا هوميروس.. الإلياذة والأوديسة من الأسطورة إلى الفن السابع

ملحمتا الإلياذة" والأوديسة نسبتا تاريخياً إلى الشاعر الإغريقي الأعمى هوميروس- الصورة تعبيرية من موقع Magnific
ملحمتا الإلياذة" والأوديسة نسبتا تاريخياً إلى الشاعر الإغريقي الأعمى هوميروس- الصورة تعبيرية من موقع Magnific

تُعدّ الأساطير اليونانية النبع الروحي الأول واللبنة الأساسية التي نهل منها الأدباء القدامى والمحدثون لتشكيل أركان الدراما العالمية وصياغة حبكاتها المشوقة. فرغم مرور آلاف السنين، لا يزال صُنّاع الفن والكتّاب يستعينون بترميزاتها الغنية ويعيدون تدوير حكاياتها الملهمة في السينما المعاصرة، لإدراكهم عمق فهمها للنفس البشرية. وتبرز ملحمتا "الإلياذة" و"الأوديسة" الشهيرتان كأعظم شاهدين على هذا التأثير الممتد، حيث وضعتا القالب الأصلي لقصص الحروب وأسفار المغامرات. وفي العصر الحديث، تجسد هذا العطاء الأسطوري في فيلم "الأوديسة" (The Odyssey)، أحدث أعمال المخرج العبقري كريستوفر نولان، والذي نال اهتماماً استثنائياً جارفاً من جمهور الشاشة الكبيرة؛ حيث أعاد نولان تقديم ملحمة هوميروس الأسطورية برؤية بصرية سينمائية مذهلة وبإنتاج ضخم، محققاً نجاحاً مدوياً وأرقاماً قياسية في شباك التذاكر العالمي.. بالسياق التالي "سيدتي" تقدم نبذة عن هذه الملحمة المذهلة التي تظلّ مَعينًا باذخًا لا ينضب، وأثراً خالداً يستلهم منه الأدباء والكتّاب روائع حكاياتهم عبر العصور.

الإلياذة والأوديسة صِيغت شفهياً كأناشيد غنائية ارتجلها الشعراء الجوالون

يقول فتحي صديق المزين باحث في التاريخ اليوناني بكلية الآداب لسيدتي: نُسبت ملحمتا "الإلياذة" و"الأوديسة" تاريخياً إلى الشاعر الإغريقي الأعمى "هوميروس" في القرن الثامن قبل الميلاد، رُغم الجدل التاريخي حول "القضية الهوميرية" التي تشكك في كونه شخصية فردية وتعتبر الاسم رمزاً لرواة متعددين. ولم تُكتَب هذه القصائد بالورق والقلم في البداية، بل صِيغت شفهياً كأناشيد غنائية ارتجلها الشعراء الجوالون في الساحات، معتمدين على وزن شعري محدد (السداسي التفاعيل) وصيغ لغوية متكررة لتسهيل حفظها وتناقلها بالذاكرة، حتى دُوّنت رسمياً لاحقاً مع دخول الأبجدية اليونانية. وقد صِيغت هذه الملاحم بهدف تخليد أمجاد الأجداد اليونانيين وتوثيق تاريخهم الأسطوري، فضلاً عن كونها دستوراً روحياً وثقافياً يحفظ هوية المجتمع وقيمه الأخلاقية والدينية كالشجاعة والولاء لتتناقلها الأجيال.

لماذا سُمّيت الإلياذة والأوديسة بهذا الاسم؟

  • الإلياذة (Iliad): تعود هذه التسمية في الأصل إلى الكلمة اليونانية "إليون"، وهو الاسم التاريخي لمدينة طروادة. وبذلك، فإن العنوان يعني حرفياً "حكاية إليون"، مشيراً إلى الحصار والمعارك التي دارت على أرضها.
  • الأوديسة (Odyssey): سُميت الملحمة تيمناً بقائدها "أوديسيوس"، وتحمل في طياتها معنى "حكاية أوديسيوس". ومن رحم هذه التسمية، استعار الأدب العالمي لفظة "أوديسة" لتعبر مجازاً وبمرور الزمن إلى مصطلح عالمي يُطلق على الرحلات الطويلة المليئة بالمشاق والمغامرات الإنسانية الكبرى.

ملحمة الإلياذة: قصة دراماتيكية مشوقة لحصار تاريخي وسقوط طروادة

يحكي الباحث في التاريخ اليوناني بكلية الآداب قصة الإلياذة قائلًا: تحكي الإلياذة قصة دراماتيكية مشوقة لحصار تاريخي خانق فرضته جيوش اليونان على مدينة طروادة الحصينة، وهو حصار استمر لعشر سنوات كاملة دون جدوى. أما الشرارة الأولى التي أشعلت هذه الحرب الطاحنة، فكانت عندما تجرّأ الأمير الطروادي الوسيم "باريس" واختطف الملكة الفاتنة "هيلين"، زوجة ملك إسبرطة اليوناني، وهرب بها خلف أسوار مدينته المنيعة. وثأراً لذلك، جمع "أغاممنون" (ملك الملوك وقائد الجيوش الإغريقية) أبطال اليونان وأبحر بألف سفينة حربية لاستعادتها.
ولم تسرد ملحمة "الإلياذة" تفاصيل السنوات العشر كلها، بل اختارت أن تروي أسابيع قليلة ومثيرة من السنة الأخيرة للحرب. حيث بدأت الأحداث الحقيقية بشرارة غضب داخلي مزق صفوف اليونانيين؛ بعدما سلب أغاممنون جارية البطل الأسطوري "آخيل"، فاعتزل الأخير القتال كبرياءً، مما مكّن الطرواديين بقيادة الأمير "هكتور" من سحق الإغريق وإحراق سفنهم. وأمام هذا الخطر، استعار "باتروكلوس" صديق آخيل درعه ونزل للميدان ليرد الأعداء لكن هكتور قتله، ليتحول حزن آخيل لجنون انتقامي عارم، فاندفع كالإعصار نحو الأسوار وصرع هكتور وسحل جثته خلف عربته، في مشهد لم ينتهِ إلا بتسلل الملك العجوز "بريام" والد هكتور ليلاً لخيمة آخيل باكيًا ومقبلاً يده لاستعادة جثمان ابنه، فرَقّ قلب آخيل العنيف وسلمه الجثة لتقام لها جنازة ملكية. ولم يعش آخيل بعدها طويلاً، إذ رماه باريس بسهم مسموم بتوجيه من سيد الشمس "أبولو" أصاب كعبه، وهو نقطة ضعفه البشرية الوحيدة التي لم تغمرها والدته الحورية في نهر الأسطورة، ليسقط صريعاً قبل أن يحسم الملك الذكي "أوديسيوس" الحرب بخدعة "الحصان الخشبي العظيم"، الذي تسلل منه المقاتلون ليلاً وفتحوا البوابات، لتسقط طروادة وتُباد عن بكرة أبيها.
ويمكنك من السياق التالي ستتعرف في "المستقبلية القوطية" من هو راميلزي الذي ملئت أعماله الكون الأسطوري بين المجرات

ملحمة الأوديسة: مغامرات البحار وعرش إيثاكا المفقود


يستكمل الباحث في التاريخ اليوناني فتحي ملحمة الأوديسة التي تبدأ الأوديسة فور سقوط طروادة بإبحار الملك الذكي "أوديسيوس" نحو موطنه وزوجته الوفية "بينيلوبي"، لكن رحلته تحولت لضياع مرير دام عشر سنوات بسبب غضب سيد البحر الأسطوري "بوسيدون" الذي انتقم منه لإعماء ابنه العملاق. واجه أوديسيوس أهوالاً أسطورية فنجا من الساحرة "سيرسي" التي سحرت رجاله، وعرائس البحر الفاتنات، والوحوش البحرية القاتلة. وفي غيابه، احتل النبلاء الأشرار قصره ونهبوا ثرواته وأجبروا زوجته على الاختيار بين أحدهم للزواج، بينما كانت تقاومهم بحيلة غزل الكفن نهاراً وفكه ليلاً لتكسب الوقت. وأخيرًا، عاد أوديسيوس إلى جزيرته "إيثاكا" متنكراً في زي شحاذ عجوز بمساعدة ابنه، وتقدم للمشاركة في اختبار القوس والسهم الذي عجز عنه الجميع، فثنى القوس بيسر وأطلق سهمه بدقة متناهية، ثم انقشع تنكره وأباد الخطّاب الأشرار جميعاً في معركة دموية طهرت القصر، ليستعيد عرشه ويضم زوجته الوفية إلى صدره مجدداً.

كيف ترابطت الإلياذة والأوديسة وكيف كان امتدادها التاريخي؟

يقول الباحث فتحي: ارتبطت الإلياذة والأوديسة برابط عضوي وزمني وثيق يجعل منهما جسداً أدبياً واحداً يكمل بعضه بعضاً، حيث تمثل الإلياذة ملحمة الحرب والدمار والكبرياء العسكري، بينما تأتي الأوديسة كملحمة للسلام والعودة والذكاء الإنساني، وتبدأ أحداثها فوراً من النقطة التي ألمحت إليها نهاية الحرب لتكشف الفراغات التاريخية التي غابت عن الملحمة الأولى كخدعة الحصان الخشبي وسقوط طروادة ومقتل آخيل بسهم في كعبه ومصير الملكة هيلين التي عفا عنها السادة العظماء وعادت لزوجها. وبذلك تحول مفهوم البطولة عبر الملحمتين من القوة البدنية الغاشمة المتمثلة في آخيل إلى بطولة العقل والدهاء والصبر المتمثلة في أوديسيوس الذي هزم الوحوش بحكمته.
يؤكد فتحي أن كثير من الدراسات التاريخية أشارت إلى أن الأوديسة صِيغت بعد الإلياذة ببضعة عقود في أواخر القرن الثامن قبل الميلاد (حوالي عام 725 إلى 700 قبل الميلاد)، حيث قام هوميروس بتأليف الإلياذة في مرحلة شبابه فجاءت حماسية مليئة بالدماء، بينما صاغ الأوديسة في مرحلة شيخوخته وحكمته فجاءت غنية بالفلسفة وتأمل الطبيعة البشرية.
قد ترغبون في التعرف على: أبرز الأساطير والحقائق عن ليلة "اكتمال القمر"

لماذا اكتسبت الإلياذة والأوديسة هذه الشهرة حتى اليوم؟

يقول فتحي لثلاثة أسباب رئيسية:

  1. التأسيس النفسي للشخصيات: قدم هوميروس نماذج بشرية خالدة؛ فآخيل يمثل صراع الكبرياء والموت الشجاع، وأوديسيوس يمثل العقل والمكر الإنساني في مواجهة الطبيعة والقدر.
  2. التأثير على الأدب العالمي: الملحمتان هما الأب الشرعي للرواية والشعر الغربي؛ حيث "الأوديسة" وضعت المخطط الأصلي والهيكل الأساسي (الكليشيه أو القالب) لكل قصص السفر والمغامرات التي ظهرت بعدها في التاريخ.
  3. مناقشة قضايا إنسانية عامة: لا تموت الملحمتان لأنهما لا تتحدثان عن مجرد معارك، بل تطرحان أسئلة أزلية حول حتمية الموت، بشاعة الحروب وآثارها المدمرة، الحنين إلى الوطن، وقدرة الإنسان على تحدي الصعاب بالصبر والذكاء.

أفلام عالمية بارزة أعادت ملحمتي الإلياذة والأوديسة إلى الشاشة الكبيرة:

حظيت ملاحم هوميروس باهتمام هائل من قِبل هوليوود و السينما العالمية عبر التاريخ، حيث أُعيد تقديمها برؤى بصرية وفلسفية متباينة تناسب كل عصر.. تعرفي لأفلام عالمية بارزة أعادت ملحمتي "الإلياذة" و"الأوديسة" إلى الشاشة الكبيرة:


فيلم أوليس (Ulysses - 1954):

من كلاسيكيات السينما العالمية التي نقلت الأوديسة بطابعها الميثولوجي الأصلي؛ جسد فيه كيرك دوغلاس دور البطل أوديسيوس في صراعه التاريخي ضد الوحوش والقدر لاستعادة عرشه.

فيلم طروادة (Troy - 2004):

الاقتباس الحربي الأشهر لملحمة الإلياذة؛ ركز على واقعية المعارك وبرز فيه النجم براد بيت في دور "آخيل" وإيريك بانا في دور "هكتور".

فيلم الأوديسة (The Odyssey - 2026):

أحدث تحفة سينمائية للمخرج كريستوفر نولان وبطولة مات ديمون؛ تميز برؤية بصرية مذهلة ومصورة بالكامل بكاميرات IMAX، ليركز على فلسفة الوقت ومشاعر الحنين والضياع في البحار.
والرابط التالي يعرفك المزيد عن: فيلم Odyssey يحطم الأرقام القياسية.. جيل زد يمنح كريستوفر نولان أكبر افتتاحية بإيرادات264.1 مليون دولار