في حين أن النجاح شعور ممتع يبحث عنه كثير من الشباب، لكن هناك من يخاف النجاح، بل يكون مصدر للقلق بالنسبة له. ويظهر ذلك جلياً حين تعرض عليك فرصة للدراسة أو العمل قد تغير حياتك، وعلى الرغم من ذلك ترفضها بسبب الخوف من تبعاتها.
بحسب الخبراء، فإن هذا النمط الشعوري يُعرف بأنه "الخوف من النجاح". وتقول هدى زين، مدربة مختصة بالإرشاد الأسري، في حوار لـ"سيدتي": إن هذا الشعور لا يشير إلى اضطراب نفسي مستقل أو تشخيص طبي معتمد، بل إلى مجموعة من المشاعر والأفكار والسلوكيات التي تجعل الإنسان يخشى تبعات النجاح أو يتجنبه، وتشير إلى أن السبب قد يرتبط بالقلق من المسؤولية، أو الفشل بعد النجاح، أو نظرة الآخرين، أو فقدان الأمان المألوف.
إعداد: إيمان محمد
كيف يفهم العلم الخوف من النجاح؟
تقول زين: "لا ينتج الخوف من النجاح عن سبب واحد؛ فقد يخشى الشخص أن يرفع النجاح سقف التوقعات منه، أو أن يصبح مطالباً بالحفاظ على مستوى جديد من الإنجاز". وتضيف: "وقد يقلق من تغير علاقاته، أو إثارة حسد الآخرين، أو الابتعاد عن بيئته المعتادة. وفي بعض الحالات، يرتبط النجاح بتجارب سابقة جعلت الظهور أو التميز مصدراً للانتقاد أو الضغط".
وتؤكد أن الخوف قد يتداخل مع الرغبة في تحقيق الكمال والقلق وتدني تقدير الذات. وتوضح: "فالشخص الذي يربط قيمته بإنجازاته قد يرى النجاح بداية لاختبارات متواصلة، لا نهاية مريحة. ومن المهم التمييز بين الخوف من النجاح والخوف من الفشل؛ فقد يجتمعان لدى الشخص نفسه. أحياناً يكون التقدم مخيفاً لأنه يزيد احتمال الفشل أمام الآخرين، وأحياناً لأن النجاح يحمل مسؤوليات وتغييرات غير مألوفة".

الدماغ لا يعادي النجاح
ووفقاً للعلم، تؤكد زين أنه لا يوجد دليل على أن الدماغ يتعامل مع النجاح بوصفه خطراً دائماً أو يملك آلية خاصة تمنع الإنسان من تحقيق أهدافه. لكنها تشير إلى أن الدماغ مصمم للتنبؤ بالنتائج وتقييم المخاطر اعتماداً على التجارب السابقة.
وتوضح: "عندما يواجه الشخص منصباً أعلى أو مشروعاً جديداً أو ظهوراً أمام جمهور، يقدر الدماغ النتائج المحتملة. وإذا ارتبط التغيير في ذاكرته بالخجل أو الرفض أو الضغط؛ فقد يثير الموقف القلق حتى لو كان إيجابياً وموضوعياً".
ولمزيد من الإيضاح تقول زين: "تشارك اللوزة الدماغية في معالجة التهديدات والانفعالات، وقد تسهم في استجابة الخوف عندما يفسر الدماغ موقفاً ما على أنه خطر. لكن نشاطها لا يعني وجود خطر حقيقي، ولا يجعلها مركز الخوف الوحيد. وقد تظهر استجابات جسدية مثل تسارع ضربات القلب والتوتر العضلي، يتبعها التأجيل أو الانسحاب".
في المقابل، "تساعد القشرة الجبهية على التخطيط واتخاذ القرار وضبط الانفعالات، وتمكن الإنسان من مراجعة توقعاته والتمييز بين الخطر الحقيقي والخوف المتوقع. كما تسهم الذاكرة والانتباه في ربط المواقف الحالية بالتجارب السابقة؛ لذلك يكون فهم تاريخ الشخص مع النجاح والانتقاد والمسؤولية أكثر دقة من افتراض وجود عقل لاواعٍ يعادي النجاح”.
ماذا يحدث للخلايا العصبية مع التعلم؟
وتصف زين المراحل التي يمر بها الدماغ، وتقول "تتغير قوة الاتصالات بين الخلايا العصبية مع التعلم والتجربة، وهي ظاهرة تُعرف باللدونة العصبية. وعندما يكرر الإنسان تجنب الفرص أو الانسحاب عند اقتراب النجاح، قد يصبح هذا النمط أكثر تلقائية. لكن ذلك لا يعني وجود خلية واحدة تخزن الخوف، بل إن السلوكيات تتشكل عبر شبكات معقدة تتأثر بالتعلم والانفعالات والبيئة".
هل يمكن التخلص من الخوف من النجاح؟
على الرغم من الأبعاد العلمية لشعور الخوف من النجاح، تقول المختصة إن التغيير والخروج من هذه الحالة ممكن. موضحة: "فالتجارب الآمنة المتكررة، والتدريب على تنظيم الانفعال، وتعديل السلوك، يمكن أن تغير الاستجابات المتعلمة، وإن كان ذلك يحتاج إلى وقت وممارسة، وليس إلى تكرار عبارات إيجابية فقط".
اللاواعي ومنطقة الراحة
وتشير زين إلى أن "بعض مدارس البرمجة اللغوية العصبية تستخدم مفهوم العقل اللاواعي لوصف العمليات التي تؤثر في السلوك خارج الوعي المباشر. ويمكن اعتبار ذلك استعارة لفهم العادات والمعتقدات، لكن لا ينبغي تقديمه بوصفه حقيقة علمية تثبت أن اللاواعي يملك نية مستقلة أو يرى النجاح عدواً".
وتضيف: "التفسير الأدق هو أن بعض التوقعات والاستجابات تُكتسب عبر التجربة؛ فتؤثر في السلوك دون وعي كامل، فقد يتعلم الطفل أن التفوق يجلب المقارنة والانتقاد، أو أن التعبير عن الرأي يؤدي إلى العقاب. وعندما يكبر، قد ترتبط القيادة أو الظهور تلقائياً بالقلق".
أما منطقة الراحة؛ فهي تعبير عن المواقف المألوفة التي تمنح شعوراً أكبر بالسيطرة. وقد يؤدي تجنب الموقف المقلق إلى راحة مؤقتة؛ ما يعزز احتمال تكرار التجنب مستقبلاً، لذلك قد يرغب الشخص في النجاح، لكنه يختار راحة اللحظة على هدف بعيد المدى.

خطوات عملية للتعامل مع الخوف
حددت المدربة هدى زين مجموعة من الخطوات الفعَّالة التي تسهم في القضاء على الخوف من النجاح، مثل:
تحديد الخوف بدقة
اسأل نفسك: ما الذي أخشاه إذا نجحت؟ هل هو المسؤولية أو انتقاد الآخرين أو فقدان الوقت أو الفشل بعد أن يثق الناس بي أو تغير العلاقات؟ تحديد الخوف يجعله قابلاً للفهم والمعالجة.
مراقبة الأفكار التي تسبق التأجيل
اكتب الموقف، والفكرة التي تسبقه، والشعور الناتج، ثم السلوك الذي تقوم به. مثلاً: فرصة للتحدث أمام جمهور، وفكرة أن النجاح سيؤدي إلى مطالب لا تنتهي، ثم القلق والاعتذار. بعد ذلك اختبر الفكرة: هل هي حقيقة مؤكدة؟ ما الأدلة عليها؟ وما البدائل الواقعية؟ قد ترافق النجاح مسؤوليات، لكن يمكن وضع حدود والتفاوض على الوقت والموارد.
التعرض التدريجي
لا تنتظر زوال الخوف قبل التحرك. بل اختار خطوة صغيرة، مثل نشر محتوى مهني، أو قبول فرصة محدودة، أو تقديم عرض قصير، ثم راقب ما حدث فعلاً. يساعد التدرج على تقليل التجنب وبناء الثقة. وإذا كان القلق شديداً، يمكن أن يتم ذلك ضمن علاج نفسي قائم على الدليل وبإشراف مختص.
أعد تعريف النجاح
لا يعني النجاح التضحية بالصحة أو الأسرة. قد يكون نمواً متوازناً، أو تحقيق هدف ضمن حدود واضحة، أو قبول فرصة مع الاحتفاظ بحق الرفض. حدد الشكل الذي يناسب قيمك والحدود التي تجعله آمناً وقابلاً للاستمرار.
تنظيم الانفعال وطلب الدعم
قد يساعد التنفس الهادئ، والنوم المنتظم، والنشاط البدني، والانتباه إلى الأحاسيس الجسدية في التعامل مع القلق، لكنها ليست علاجاً خاصاً. وإذا عطل الخوف العمل أو العلاقات أو القرارات؛ فقد يفيد العلاج النفسي، مثل العلاج المعرفي السلوكي، في تغيير الأفكار وأنماط التجنب. ويمكن للكوتشينغ دعم الأهداف والعادات ضمن حدود الاختصاص، مع الإحالة إلى مختص نفسي عند الحاجة.
أيضاً، تنصح زين بضرورة طلب مساعدة مختص نفسي إذا استمر القلق لأسابيع، أو ازداد تأثيره في العمل أو العلاقات أو الحياة اليومية، أو صاحبه ضيق شديد أو اضطراب في النوم. ولا يعني ذلك بالضرورة وجود تشخيص محدد، بل قد يساعد المختص على فهم التجربة وتحديد دعم مناسب، مع طلب مساعدة عاجلة عند وجود أفكار بإيذاء النفس.
اقرئي أيضاً: كلمات لا تقُلها لمن فشل في الامتحان حتى لو كنت تنصحه

Google News