نساء لسن ككل النساء



أعترف بصفتي شاعراً وروائياً أنني لا أصلح للزواج، لكنه الحب اللعين، مُغوي الزهّاد وزعيم الفتن، أوقعني في حباله وحكم على امرأة «زوجتي» وقد كانت تخوض غمار الحياة في سكينة وبساطة، بالانغمار في تجربة زواج محفوف بالغرابة والفوضى والجنون.

قلة هنّ النساء اللواتي نجحن في التعايش مع كاتب أو فنان، لذا نادراً ما نعثر على كتاب مُهدى لزوجة أو حوار يُمَجّد فيه المبدع زوجته، على غرار ثناء الأديب نجيب محفوظ على رفيقة دربه، أو تصدير الكاتب الكولومبي غابريال غارسيا مركيز روايته «الحب في زمن الكوليرا» بهذه الكلمات: «إلى مرسيدس طبعاً» (زوجته)، واعترافه في مذكراته «عشتُ لأروي» بتضحياتها من أجل أن يصير كاتباً عالمياً.

تحلم زوجة الكاتب أو الفنان أو المفكر بحياة زوجية رومانسية، حيث تغدو هي ألبومه أو أعماله الكاملة، وعادة ما تصطدم الكثيرات بحقيقة متاعب الحياة والإنجاب والسهر على تنشئة الأطفال، وتغيّر العادات السلوكية من حياة العزوبية إلى مجاهل العيش المشترك. عندئذ تحصل الصدمة، ولا تنجو من براثنها إلا المرأة الذكية، التي تقرر أن لا تضع زوجها المبدع بين خيارين: إمّا أنا أو نمط حياتك. فالإبداع يغدو في جل الحالات بمثابة زوجة ثانية غير مرغوب فيها، إذ إن الأمر لا يتعلق بالكتابة فقط، أو الرسم أو الغناء، بل بطقوس الإبداع ونمط حياة المبدع الخلاق، الذي يصعب التعايش معه بدون تسامح الحب والسعادة لنجاح الآخر والأثرة، ولا شك أن من حق المرأة أن لا تختار هذا السبيل الملغّم والمزروع بالفخاخ، فمن أجل نجاح حياة زوجية يكون أحد طرفيها مبدعاً، لا مناص من توفّر الصداقة رباطاً بين الزوجين، يحل محل العقد المكتوب بمداد الواجب.

ليست زوجات المبدعين وحدهن مَن يكابدن هذا التحدي، فزوجة لاعب كرة القدم المحترف، على سبيل المثال، لا تستعيد رفقة زوجها إلا بعد انتهاء مشواره الكروي، فإن صار ممرّناً فإن عزلتها تغدو أبدية. وهذا هو شأن زوجات الزعماء والقادة ورجال الأعمال والأقطاب الدينيين والعلماء، وغيرهم كثرٌ. فالقاسم المشترك بينهن هو اختفاؤهن خلف صورة الزوج واسمه، الذي صار ملكية عامة، فهو مُتاح بالقدر الذي يسمح به الآخرون، إنه العقاب الخفيّ لزوجات المشاهير والأثرياء والخارجين عن المألوف، دون إنكار وجود استثناءات نادرة.

ثمة صنف آخر من الزوجات يقضين سنوات طويلة في أتون الانتظار والأمل المشوب بالخوف، هؤلاء هن زوجات البحّارة والعمال المهاجرين والمستكشفين وتجار المخدرات والممنوعات، ومن لفّ لفّهم. فغيابهم المتواتر يحيل الحياة إلى شظايا، إلى صور مبعثرة، ونثار ذكريات. يكبر الأطفال في غفلة من الأب، ويصير اللقاء وداعاً.. ذكرتُ هؤلاء النساء لأحطّ على غصن زيتونة في فلسطين عامة، وفي غزة تحديداً، لأنحني إجلالاً للمرأة الفلسطينية، التي تختزل من خلال تجربتها الفريدة كل تجارب النساء اللواتي ذكرتهن. فزوجة الفلسطيني، وبصفة خاصة زوجة الفدائي، قدرها أن تمضي حياتها تحيك ثوب الأرملة، يخرج الفدائي فلا يعود عادة إلا بعد سنوات عديدة يقضّيها في سجون الاحتلال، أو يعود شهيداً، وبين غياب وغياب يكون هاجس اللاعودة هو الحقيقة الوحيدة. لا رجاء في بقاء الزوج، ولا حتى الأطفال، فالمستقبل بيد الآخرين، وعليها أن تُنجب وتنجب لتقهر الموت والاضمحلال. وإنه لأمر محيّر ومدهش أن يكون على كوكب الأرض هذا العدد الهائل من النساء اللواتي يصرفن حياتهن في الانتظار والخوف والأمل اليائس. ثمة شيء غير عادي في هذه الظاهرة، لكن طوبى للنساء اللواتي يستطعن محبّة الحياة رغم جفاء الحياة.