mena-gmtdmp

شبيهة خالتها وسنواتها ضايعة

لا تعر كأس القهوة بالحليب الذي قدمته لها جدتها، اهتماماً، ولا قطعة الحلوى الألمانية التي صنعتها خصيصاً، وتحملق باهتمام غير عادي في ذلك الصندوق، الذي نناديه بصندوق العجائب، والذي لا يفصلها عنه إلا بضع خطوات، حيث اتخذت لها مباشرة مكاناً أمامه على الأرض. مسرحية بطلتها ابنة أختي الطفلة، أعيشها أمامي يومياً منذ أسابيع في بيت أمي. هذه الطفلة مدمنة من الدرجة الأولى مسلسلات تركية مدبلجة، تتابع كل الحلقات بالمشفر وبالواضح، تحفظ كل القنوات التي تبثها، بلا كلل ولا ملل، تشاهد الحلقة الواحدة ألف مرة، والطامة الكبرى أنها أصبحت تجيد اللهجة الشامية وتترجمها لجدتها الفخورة بها. صفر في مادة اللغة العربية كانت نتائجها مؤخراً، لكن بالمقابل مئة على عشرة في اللكنة السورية. وتحكي فخورة أنها ترقص بالمصري، وتحكي بالشامي، وأنها اشترت قميصاً عليه صورة لميس البطلة.

الله يرحم أيام زمان، حين كنت أركض لأختفي، بمجرد سماع صوت أخي الأكبر من بعيد، لا احتراماً لشخصه، ولكن خوفاً من صفعة يد، قد لا أفيق منها أبداً، بعد أن يكون قد ضبطني أشاهد فيلماً أو مسلسلاً مصرياً. المهم ابنة أختي هذه تغرق بالمشاهدة والانسجام التام، وكلما دمعت عينا البطلة، دمعت بالتالي عيناها، وتفاجئك بين الفينة والأخرى بصرخات ضحك وصرخات انتصار.

وقبل مغادرتي بيوم واحد، علمت بالصدفة من أمي، أن الطفلة سبق لها مشاهدة المسلسل، السنة المنصرمة على إحدى القنوات. وثارت ثورتي، وانقلبت من قطة هادئة إلى نمرة متوحشة، وصحت في وجه الغالية أمي: «لا يعقل هذا وأنتم تتركونها لتشاهده سنة أخرى، يا لضياع الفتاة!».

وقفزت من مكاني وانقضضت على الطفلة قائلة:

«لن ينفعني معك إلا مدرسة داخلية» وبعدها سحبتها من ملابسها بقوة، مبعدة إياها من أمام التلفاز. وما هي إلا دقائق وترى حشود العائلة ملأت المكان بقيادة أمها الأمية، عفواً أختي الكبرى. وأول قنبلة انطلقت من فمها كانت كمدفع رشاش:

«هي لم تأت بالعادة من شخص غريب، شبيهة خالتها، والعيب في الخالة لا في ابنة الأخت».

«أتذكرينني بالذي مضى، وأنا التي أحاول أن أحميها من جهل أمها، أنت بغبائك هذا تحاولين تكرار تجربتك الفاشلة، فلا فلحت في اختيار الرجل الصالح، ولا فلح ابنك الأكبر في دراسته، رغم أنه من أروع الفتيان، ولا حاولت أن تستحي ولو مرة من لسانك السليط، اتقي الله واسكتي يا امرأة!». وكعادتها وجدت خلاصها في دموعها، وتقدمت إلى الطفلة تحاول ضربها، طبعاً الحشود العائلية كلها تدخلت لتنقذ البنت من براثن أمها. وكان لي ما كان، لقد قسوت على أمها وجدتها، وقدمت لها في مدرسة داخلية على نفقتي الخاصة، فأختي لا تملك حتى قوت يومها.

أتريدون أن تعرفوا لماذا عايرتني أختي بأن طفلتها تشبهني، الحقيقة، هي أنني كنت مدمنة مسلسلات مكسيكية مدبلجة.