mena-gmtdmp

صور باقية ـ 1 ـ

 

ميراج


1967 مضى على تلك اللحظة اثنان وأربعون عامًا.

عائد من عملي بجمعية خان الخليلي، ربع السلحدار، الثانية ظهرًا، الاثنين الخامس من يونيو، ساعات مشحونة، ننتظر كل بيان جديد بلهفة، تحفز، ترقب، سمعت البيان الأول في البيت قبل خروجي، غارات جوية على مطارات الجمهورية، قتال بدأ على الحدود البرية، لحظات طال ترقبها، عبارات تتردد من الأيام المنقضية.

«قواتنا عبرت القناة بكفاءة شهد لها العدو قبل الصديق»

«العقبة فك رقبة..»

«نتوقع الضربة الأولى»

أعقب البيان الأول عدة بيانات أخرى تنبئ بإسقاط عشرات الطائرات، تُليت كلها بصوت أحمد سعيد الحماسي، تساءلنا عما يجب أن نفعله، قال المهندس فخري زكي مدير الجمعية إننا يجب أن نتبرع بالدم، لنذهب ولنصحب عم إسماعيل الساعي إلى أقرب مركز للتبرع بالدم، هذا أبسط ما يجب أن نقوم به، كان قصيرًا، يفيض حيوية، مستطيل الوجه، عند الواحدة ظهرًا مال إليَّ قائلاً بحذر:

«تعرف.. ما يقلقني أنني لم أسمع أي خبر عن تقدم قواتنا حتى الآن...» ثم قال: «قلبي غير مطمئن».

جال عندي ما نطق به عند عودتي إلى البيت، أمام مدخل مسجد سيدي مرزوق أصغيت إلى أزيز طائرة، طائرة، طائرة في السماء، مقدمتها مستطيلة كالسهم، جناحاها إلى الوراء، ميراج، أعرف الشكل لكثرة مطالعتي أخبار الطائرات والطيران، لكن ما أذهلني طيرانها عند ذلك الارتفاع المنخفض، وتلك النجمة على الجناحين وسط دائرة، نجمة داود، طائرة معادية فوق مسجد سيدي مرزوق، عند مدخل درب الطبلاوي، كيف وصلت إلى هنا؟ كيف؟

سوف أستعيدها كثيرًا بعد ذلك، وضعها الانقضاضي، لونها الأصفر، سيخيل إليَّ أنني لمحت خوذة الطيار تدخل القمرة الزجاجية، سأروي ذلك مرات بثقة ومرات بشك، لكن المؤكد ذلك التساؤل المروع: كيف وصلت إلى هنا؟ كيف؟!

 

 

نقوش

أجلس إلى الدكة الخشبية أمام النول، أتطلع إلى السجادة غير المكتملة حزينًا، مكمودًا، يسألني سيد مدرس التدريب العملي:

ماذا بك؟

أقول: إنني وددت لو التحقت بقسم النسيج الميكانيكي، لكنهم وزعوني طبقًا لمجموعي في الشهادة، حصلت على مائة وست وعشرين درجة، فرقت معي درجة ونصف الدرجة، يتوقف عن قص الوبر وتسويته.

«انس مجموعك.. انظر إلى هذا الجمال..»

يقول: هل من المنطقي مقارنة تلك الألوان، حمراء، زرقاء، صفراء، وغيرها بالماكينات وشحمها؟ هنا تتخلق الزخارف من بين الأصابع، تبنيها عقدة عقدة، ثم تسويِّها، وقبل ذلك تصبغ الخيوط كما تشاء، تجيئك خالية تمامًا، بيضاء، ثم تمنحها أنت اللون، تحدد درجته، أي جمال؟. انظر إلى تلك الدائرة، كيف تتعانق مع الدائرة، أنت لا تنسج سجادة، إنما تنشئ دنيا، «دنيا بحالها».

أتطلع إليه صامتا، صوته حنون، يهدئ من ضيقي، يبتسم:

«أنت غير مقتنع، لكنك ستعرف ما أقوله فيما بعد..»

أطرق ممعنًا في صمتي، أستعيده الآن ممتنًّا.